“أحاديث جانبية” رواية رياض خليف بين خيانة الأمكنة و عفن الشخوص

رسالة مفتوحة الى رئيس الحكومة التونسية
رسالة مفتوحة الى رئيس الحكومة التونسية

يواصل الكاتب التونسي رياض خليف في عمله السردي ” أحاديث جانبية  “

الصادر عن” دار زينب للنشر 2019″  حكايات الإمتاع في وعي جاد بروائح الأمكنة و عجيب الأزمنة فتفوح روائح عفن الشخوص. عفن  حددته ذات السارد في نقمتها على واقع ما أرادت له الحضور فبحثت في شعريّة سردها عن نظم جديد لأمكنته و أزمنته ووجوده.

متخيل القارئ في هذا العمل   يسعى لتجميع الممكن من الحكي لبناء أحاديث أخرى يكتبها المشتهى من فعل مكبوت . أحداث يوقّعها الكاتب والقارئ في عمق أزمنة وأمكانة وشخوص  أو هي الذوات الساردة و المتخيلة و الحالمة والمنسيّة في التفاعل الواضح  بين الكل بحثا عن الانصهار في تونس الجديدة أو في شخوص  لها العمق  السرمدي .

1

أمكنة  الواقع ام امكنة الحلم؟

يبدو جليا تواتر الأمكنة في هذاا العمل السردي  ضمن رمزية واضحة الأبعاد . رمزية كانت مدينة ” سيدي بوزيد ” هي  جوهرها  و المحرك الأساسي لكل أجزائها  فهي حاضرة  بأسماء و أبعاد سحرية  أمكنتها  ” مقر الولاية – مقهى سمرقند -عربة البوعزيزي …” . فضاءات  تبحث لها عن وعي بالحدث دفعا لذات ترى وتتمعن في وجودها قبل أحداث الثورة وبعدها : ” بعد أيام قليلة من زيارته إلى سيدي بوزيد وتصريحاته التي فرح بها كثيرون انقلب عفيف وتغيرت مواقفه .  شارك في برنامج تليفزيوني وصرح أنّ  تاريخ الرابع عشر من جانفي هو التاريخ الحقيقي للثورة التونسية واعتبر أنّ طلب أهالي سيدي بوزيد هو غير شرعي “ص22 -23 من أحاديث جانبية -. مدينة عمق رمزيتها في تحريكها للمدن المركز كتونس العاصمة ” شارع بورقيبة  – قصر قرطاج …” أو ريفها أو باقي المدن التونسية أو العربية ” قناة الجزيرة بقطر …في تفاعلها مع الحدث الزلزال سقوط نظام بن علي .

مدن تتجاوز  فعل الآن لتبحث  في حركتها عن كيانها الجديد في أعماق شخوصها فتولد أمكنة الحلم حيث يتحرر الفقير من حاجته و يبني الفنان مدنه من ورق آخر و ألوان زاهية تنقل المرئي إلى مخيل يعيد رسم الأمكنة ويحوّلها إلى عوالم طمح لها  البوعزيزي  لحظة حرقه لجسده . أمكنة ساقها  رياض خليف عبر سرد تحكمه مرارة المغامرة وخيانة الذات  للمنتظر من رسم عمارتها. عمارة تتفاعل مع الشخوص  ثرية المتخيل  يحكمها العجيب و الخارج عن المألوف .أمكنة تدعونا  إلى الاستفهام حول المبدأ والرهان والقيمي و الممكن في بناء التواصل بين الذات و الآخر من جهة وبين الذوات وشعرية الأمكنة من جهة أخرى.أسئلة الهدم من أجل بناء الجديد والمنتظر من خيال يقدس فعل اللعب بالهدم للبحث عن عمارة بديلة لمدن جديدة .

2

الشخوص والانقلاب القيمي أو سلطة القاع

تتعدد شخصيات العمل أو تتعدد العناوين الداخلية المقسمة لبنية النص فنلحظ بيسر عمق الاشتغال على الأسماء ودلالاتها “قرأتها يا رياض-أوراق ينكرها عفيف – نادية الشرفي- وفيقة بنت عياد تروي حكاياتها -هل كان عثمان وهما – من أوراق همام السمرقندي-. كتابة نهلت من السير وعمدت للدخول لبواطن شخوص العمل فتحفر في الذاكرة  لتنقل للقارئ خفايا الذوات وتناقضاتها . شخوص نظيفة السريرة ومبدئية كان “عبدالله المسرحي” أحد رموزها  فهو ثوري لإيمان داخلي يحرك كيانه فيسعى لنقد باقي الشخوص الغارقة في النفاق والخيانة للثورة وللشعب و لسيدي بوزيد الواقع والرمز “يخرج سيجارة أخرى من علبته يجذب منها بعض الأنفاس ثم يقول لي : لو” نكتب لها نصا على هذه الشاكلة وبهذا التصور …أريد أن أرى هذه العباءة وأفضحهم …أريد عملا مسرحيا كبيرا …”المصدر ص 25

عمل  يحكي عن المبادئ في عمق بعض أفرادها مثلما يعري شخوصا متناقضة الملامح عجيبة الأطوار تتلون مابين الآن والأمس. شخوص  تبعث على الضحك والرثاء منافقة في سيرها  نادية الشرفي  امّ  نادية  عفيف  عبد العزيز سعيد ..

”  سعيد مراسل صحفي كرس مراسلاته لمدح السيد الوالي والكاتب العام  . ظل لعقود يفتتح مقالاته بالجملة الشهيرة أشرف السيد …سعيد أيضا انقلب على نفسه في هذا الزمن وأصبح يشيد بالثورة والثوار ولا غياب على محافلهم ومجالسهم ووقفاتهم ” المصدر ص28 و29 –

3

زمن الآن أم زمن الأمس أم تاريخ  الفعل؟

“ولكن عباءة التاريخ وصلت ممزقة و مفتضة  كامرأة ثيب …” ص 24 من المصدر. إنّ الأزمنة في هذه الأحاديث  يصعب الإمساك بها لأن الفعل الثوري مرتبك التعبير صعب التحديد والانتماء لأزمنة الموضوع. أزمنة تنشد التعبير عن حضورها فتتشبث بانتمائها للكتابة وما تحمله حروفها من وجوه الايحاء عبرقصدها لقارئ  يستوعب رمزية  الحدث فتتواتر الحكايات  فيبحث لها عن الانتماء لكيان معلوم غير أنه عند المتابعة لفصولها الداخلية لا يجد لها من ترتيب كرونولوجي. هي  زمنية تفترض لمّ شملها في وقائع متابعتنا لها. حكايات صدرت من ماضي الأقوال ومن حكمها “أحبك يا شعب تونس الذي امتحنك الدهر وامتحنك ” الشهيد فرحات حشاد  و مظفر النواب ” يا ملك الثوار أنا أبكي بالقلب لأن الثورة يزنى فيها والقلب تموت أمانيه …” . تصديران للعمل يحيلان ضرورة إلى رمزية ” الثورة” التونسية خاصة والإنسانية عامة فيتداخل الماضي بالحاضر وتسعى عين المتابع للقص لتأسيس الكيان المراد بالعمل فتحاول اللحاق بالصورة ولكن هيهات . مخاتلة الأزمنة تهزك في هذا العمل فأنت في طرفي الوجود فمن جهة  الماضي ونعني به تاريخ وفاة البوعزيزي 17 ديسمبر 2010 و من جهة أخرى  ما بعده أي  تاريخ تأسيسس الانتماء لحلم جديد حلم دولة الشعب أو دولة القاع . زمنية لا تستطيع تركيب كيانها إذ أن شخوص اليوم هم حكام الأمس ” العفيف  علالة… ” شخصيات تتوجه نحو  السلطة غاية والزمن سرمدي في حضرتها. شخصيات تدفع القص نحو زمن منتظر هو زمن صنّاع الثورة . وأيّ ثورة هي غير ثورة القاع  فكلّ الشخوص من طبقات شعبية خائنة لأصلها وبالتالي كانت غريبة عن أزمنة وجودها .

نحن في هذا العمل مع قص يحيل القارئ على باب السير حيث يختلط تاريخ الذات بتاريخ أمكنتها فيتواتر الحضور البينذاتي في أفق الإيحاء . سير ارتبطت  فيها كل الشخوص ب “البوعزيزي” أو بتاريخ  17 ديسمبر 2010. كلها شخصيات  تحاول صناعة حاضرها ومستقبلها  من هذا الرجل الرمز. أحاديث تروي بصدق طموح العراة لبناء دولة أخرى في زمنية جديدة متخيلة المعاني ولكن هيهات لقد ازدحم القاع .

“ثورة غريبة افتكها الغرباء عنها …الثورة الحقيقية التي حلمت بها الاجيال وانتظرتها لم تات بعد  – صفة 55 من المصدر- .

مع ” رياض خليف” في عمله هذا روح الانتماء لجيل جديد من الكتاب العارفين بفنون القص من جهة وبممارسة الكتابة من جهة ثانية.  هو يواصل الحفر في ألم الناس ويتفنن في تخيل حركة شخوصه ويطور وجودها فكانت العودة الى علالة الزيني ص 48 و ص 55 من المصدر- ورقة بناء جديدة لشخوصه ومحاولة تعهد لها لتأسيس زمانية أخرى . زمانية الانتماء للخاسرين أو الباحثين عن نصر قريب  يصنعه المهتمين بالكتابة عن أزمنة القاع أو أزمنة حلم عبّر عنه  محمد الجابلي في تقديمه للعمل بالصفحة الثامنة: “رواية تقول إننا في زحامنا الثوري فقدنا براءتنا وان العباءة المهترئة لا قدرة لها على ستر عورتنا . أحايث جانبية من صميم خطاب المغيب ” . فعلا نحن مع خطاب يلون  واقعية الكتابة وأزمنتها وأمكنتها ومتخيلها بما يفجعنا و يضع أسئلة عميقة حول مصيرنا وكينونة الآن

 و التاريخ  والمستقبل .

كتابة لا تتعامل مع المنمط من الأحداث والمألوف فيها  بل هي الدخول في مغامرة تطوير الأزمنة وأمكنتها وشخوصها  لتدفع القارئ لوعي مبتكر بالمقاصد.

بقلم : حاتم النقاطي ، أكاديمي ، شاعر وإعلامي تونسي .

اترك تعليقاً