التأثيرات الفارسية في الفكر السياسي الإسلامي: الحقيقة والوهم

د  . إبراهيم جدلة ــ أستاذ التاريخ ــ  جامعة منوبة ، تونس  

كانت علاقات العرب مع بلاد فارس خاصة على مستوى المبادلات و تنقل الأفراد  سابقة للإسلام وتواصلت بعد ذلك و لا أدل على ذلك من وجود شخصية سلمان الفارسي على الأقل منذ السنة الخامسة للهجرة. كما  يظهر الاتصال الحضاري بين العالمين بوضوح من خلال ما ورد في القرآن الكريم من ألفاظ أصلها فارسي[1] أو استعمال مؤسسات فارسية الأصل مثل “الديوان” الذي أحدث في زمن الخليفة الثاني عمر بن الخطاب… وبعد فتح بلاد فارس وسقوط الدولة الساسانية أصبح نسق التأثير و التأثّر بين الحضارتين حثيثا وشمل عدة مظاهر نخص بالذكر منها إدارة و استغلال الأراضي المفتوحة التي أشرف  عليها دهاقين فرس. غير أنه من الصعب تأكيد تأثير فارسي واضح على مستوى انتقال أو ممارسة السلطة أو على مستوى الفكر السياسي بصفة عامة على الأقل قبل وصول العباسيين إلى الحكم.  فتجربة الخلافة الراشدة كانت عربية المنبت و إسلامية المنحى، أما دولة الأمويين فكانت أكثر تأثرا بالبيزنطيين    بحكم القرب الجغرافي وبحكم أن الشام مركز سلطتهم كان، قبل الفتح، تابعا للإمبراطورية البيزنطية. و لا يمكن الحديث  عن تأثيرات فارسية فعلية إلاّ بعد قيام الدولة العباسية إثر نجاح الثورة ضد الأمويين و  التي كان للفرس دور يذكر فيها.

وحتى مع قدوم العباسيين لم يكن التأثير الفارسي مباشرا وهاما بل تمثل في بعض مظاهر الإدارة وفي بعض الكتابات التي اختلف في أهميتها وقدرتها على تغيير مسائل الحكم و التسيير. ومن بين هذه الكتابات: المبكرة منها مثل: الأدب الصغير و الأدب الكبير و رسالة في الصحابة لعبد الله بن المقفع، أو المتأخرة زمنيا مثل: شاهنامة للفردوسي و سياسة نامة لنظام الملك…. 

عبد الله بن المقفع و رسالته في الصحابة: I

في مقال مشهور حول عبد الله بن المقفع  وضع المشتشرق قويتاين هذا الكاتب العباسي في مصاف ابن خلدون وماكيافلي[2] وهو أمر يدعو من جهة  إلى الاستغراب  ومن جهة أخرى إلى البحث في آثار ابن المقفع و مدى تأثيرها في الحياة السياسية وفي الفكر السياسي في منتصف القرن الثاني للهجرة / الثامن ميلادي.

توفي  ابن المقفع سنة 142هـ / 760م [3] أي أنه لم يعاصر إلاّ العشر سنوات الأولى من سلطة العباسيين الناشئة. فهو مخضرم عاش مع الأمويين أكثر مما قضاه إلى جانب العباسيين، وحاول أن يخدم العباسيين بعد ان خدم الأمويين، اتهم بالزندقة و الإلحاد ولأسباب سياسيّة وخاصة تحالفه مع بني علي بن عبد الله بن العباس المعارضين للخليفة المنصور لقي نهاية مأساويّة ليس المجال هنا لمناقشتها ويكفينا ما كتبه الأستاذ فاروق عمر فوزي حولها ومناقشته لأهم الآراء حولها.[4]

إن ما يهمّنا في هذا البحث هو آثار ابن المقفع و أهم أفكاره، فما ينسب إليه بصفة فعليّة هو رسالتاه الموسومتان بالأدب الصغير و الأدب الكبير، و رسالته في الصحابة. وقد تعرّض صاحبنا منذ القديم إلى انتقادات لاذعة بخصوص هذه الكتابات ، من ذلك موقف أبي بكر الباقلاّني الذي اعتبره مجرد منتحل لأفكار غيره قائلا حول بعض ما نسب إليه من المؤلفات  وخص بالذكر منها : ” الدرة” و ” التليمية”: ” وهما كتابان أحدهما يتضمن حكما منقولة، توجد عند حكماء كل أمة… وكتابه الذي بيناه في الحكم، منسوخ  من كتاب  برزمجهر في الحكمة. فأي صنع له في ذلك؟ و أي فضيلةحازها فيما جاء به؟”.[5] ولا يضيف الباقلاني شيئا عما اعترف به ابن المقفع نفسه ، فهو يقرّ بذلك قائلا بخصوص الأدب الصغير: ” وقد وضعتُ في هذا الكتاب من  كلام الناس المحفوظ حروفا فيها عون على عمارة القلوب … و إحياء للتفكير و إقامة للتدبير…”[6]  ويضيف في مكان آخر: ” وسمعت العلماء قالوا…”[7]  ونفس الشيء ينطبق على الأدب الكبير الذي لم ينف فيه الرجوع إلى القدماء : ” فمنتهى علم عالمنا في هذا الزمان أن يأخذ من علمهم…”[8]  ولا يرى حرجا  في كونه كان ينقل ما أنتجه قدما ء الفرس: ” فمن ذلك بعض ما أنا كاتب في كتابي هذا من أبواب الأدب التي يحتاج إليها الناس…”[9]

في الواقع لم يكن عبد الله بن المقفع مجرد كاتب او ناقل لكتب الفرس بل كان، رغم أصله الفارسي وكونه مجرد مولى في مجتمع يطغى عليه العنصر العربي، من أعيان القوم البارزين وحسبما أورده البلاذري كان كريما و فاحش الثراء حيث كانت له : ” غلّة تأتيه من فارس كافية. و كانت له مروج تقاد إليه منها البراذين و البغال فيهديها ويحمل عليها…”[10]  وأعطى عدّة أمثلة أخرى، يصعب أحيانا  تصديقها، على ثرائه و خاصة كرمه مثل إهدائه إلى جارية مائة الف درهم[11] وإعطائه الأموال إلى أحد  أصدقائه الذي كان في ضائقة ماليّة…   إضافة إلى كل  ذلك كان صديقا مقرّبا إلى بني علي بن عبد الله بن العباس وخاصة عيسى بن علي، و بالتالي كان قريبا من السلطة العباسية و لو إلى الشق المغضوب عليه منها. هذا الموقع الاجتماعي و السياسي  جعل منه رغم قصر حياته من أبرز رجال تلك الفترة.

ربما كان أهم شيء قام به ابن المقفع هو  نقل بعض الآثار الفارسية  إلى العربيّة فكان بدون شك من الأوائل الذين  أحدثوا فنون النثر  ونقلوا  التراث  الفارسي المهتم بالحكم و بالسلطة السياسية إلى العربية. وقبل أن نتحدث عن مدى تأثير هذه الآثار المنقولة في المجتمع و الممارسة و الفكر السياسيين في منتصف القرن الثاني للهجرة وحتى بعد ذلك،  يتعين علينا استعراض أهم الأفكار الواردة في هذه الكتابات.

الأدب الصغير:

ما هو الأدب؟ وماذا يريد ابن المقفع بهذه الكلمة؟ في الحقيقة هي الكلمة المفتاح في آثاره ، وهو يعطينا تفسيرا لاستعماله هذه اللفظة في تلك الفترة بالذات : فهو بالنسبة للعقل مثل الماء بالنسبة للبذرة التي لن تصبح نبتة من دونه. وكذا العقل لن ينمو ويتطور دون أدب.[12]   وهو بكل بساطة عون على ” إحياء التفكير و إقامة التدبير”[13] وسليقة العقل لا قوة لها و لا حياة بها و لا منفعة عندها  حتى يعتملها الأدب الذي هو ثمارها وحياتها ولقاحها. [14] فهو حسب رأيه ليس نتاجا للفكر بل هو أداة أو وسيلة لتطوير التفكير و القدرة على التصرف.

هذا الأدب الذي اراد ابن المقفع إيصاله إلى معاصريه هو كلام القدماء الذي  يصعب التشكيك فيه فهو عبارة عن سلسلة طويلة من الحكم كانت منتشرة في بلاد فارس وحان الوقت لجمعها ونشرها. و لا تحتوي هذه الحكم على إضافات فكرية أو فلسفية من شأنها التأثير على الفكر الإنساني عامة أو الفكر الإسلامي خصوصا. ففي أغلب الأحيان يسرد لنا ابن المقفع أحكاما أو أوصافا حكميّة في شكل ثنائيات صالحة لكل زمان و لكل مكان و لا تخص حضارة دون أخرى . وهذه الثنائيات هي: الحب والبغض ( ص 16-17 ) الحمقى و الأكياس ( ص 17 ) و الصواب و الخطأ ( ص 17 ) و العلماء و الجهال ( ص 17 ) و الحزمة و العجزة ( ص 17 و ص 54 ) ما يؤذي و ما يسر ( ص 17 )و الرجاء و الخوف (  ص 17+18 ) و الصغير و الكبير (  ص 23 ) والعامة و الخاصة ( 22 – 23 ) و الرأي و الهوى  ( ص 24 ) و السعيد و الشقي ( ص 48 ) و المال و العقل ( ص 27 و ص 28 ) وينضاف إلى ذلك تقسيم أجناس الناس ( أي المجتمعات ) ( ص 27 ) إلى : صالح و طالح / ذو أدب ومن لا أدب له / قوي و ضعيف / محسن و مسيء / بر و فاجر / عالم و جاهل / شريف و وضيع.

وفي بعض المواقع النادرة يتجاوز ابن القفع الثنائيات إلى رباعيات  دونإضافات منتظرة ، من ذلك : الرجال أربعة : جواد و بخيل و مسرف و مقتصد[15] أو أعمدة السلطان وهي ايضا اربعة : الاجتهاد في التخيّر  و المبالغة في التقدّم و  التعهد الشديد  و الجزاء العتيد.[16] ولم يتحدث عن مجال التدبير و التسيير السياسي إلاّ في هذه الفقرة حيث تم تقديم بعض النصائح لأولي الأمر، فإضافة لهذه الركائز الأربعة الضرورية للسلطة فهو يرى أن القدرة على الحكم تتم بفضل الوزراء و الأعيان  ” و لا ينفع الوزراء إلاّ بالمودّة و النصيحة ، و لا المودّة إلاّ مع الرأي و العفاف…”[17] . ويضيف نصيحة أخرى لأولي الأمر تتميز بالعموميّة مثل سابقاتها ومفادها أنه  ” على الملوك …تعاهد عمالهم وتفقد أمورهم…ثم عليهم بعد ذلك أن لا يتركوا محسنا بغير جزاء و لا يقرّوا مسيئا و لا عاجزا على الإساءة و العجز…”[18] . ونحن لا نشعر بوجود إضافات في كلامه هذا  على مستوى الفكر السياسي السائد في منتصف القرن الثاني للهجرة، فما اورده لا يتعدّى بعض قواعد الحُكم او بعض الحكم  المتداولة ببلاد فارس، مع بعض الإسقاطات   التي لا علاقة لها بواقع تلك الفترة و لا بدولة الخلافة ( الأموية منها او العباسية )  مثل  استعمال كلمة  “سلطان” أو ” ملوك” أو ” وزراء” ( بصيغة الجمع ).

الأدب الكبير:  ( وردت هذه الرسالة ضمن رسائل البلغاء : ص 55- 114، تحت عنوان: الدرّة اليتيمة )

يعود ابن المقفع مرة اخرى إلى ما يسميه “الأدب”  وما ذكره القدماء في ذلك وحسب قوله : ” فمنتهى علم عالمنا في هذا الزمان ان يأخذ  من علمهم”[19] ويؤكد أهميتهم بحكم قاطع : ” فلم يبق في جليل الأمر ولا صغيره لقائل بعدهم مقال” [20]  وهو يقر مرة اخرى انه أخذ عنهم هذه الأمور قائلا: ” فمن ذلك بعض ما انا كاتب في كتابي هذا من أبواب الأدب التي يحتاج إليها الناس”.[21] هذا الكتاب هو ” الأدب الكبير” أما أبواب الأدب التي يحتج إليها الناس فهي متنوعة وأحيانا يذكرها دون تنظيم و لا ربط منطقي بينها فهي أحيانا في شكل وعظي وأخرى  في شكل نصائح سياسية عامة ثم تتخذ شكل رسالة او رسائل موجهة إلى الوزير ترشده إلى الطريقة المثلى للتصرف تجاه السلطان وتجاه نظرائه وتجاه الرعيّة .

وفيما يخص الوعظ  و النصائح فهي منتشرة في بداية الكتاب وفي آخره[22] ويتكلم ابن المقفع بصيغة المخاطب قائلا : ” فانا واعظك  في أشياء من الأخلاق اللطيفة و الأمور الغامضة”[23] . و تدور هذه الأشياء حول  الصداقة و الأصدقاء و الصحبة  وبعض النصائح الموجهة مباشرة لكل شخص وتدخل في باب هذه الأخلاق اللطيفة التي يعبّر عنها بالأدب مثل: ” اجتناب الغضب” ( ص 108)، و “تذليل النفس بالصبر” ( ص 110)، و” حب العلم” ( ص 111) و ” التعوّد على السخاء” ( ص 111) و ” تجنب الحسد” ( ص 112) و ” كيفية معاملة العدو” ( 112-116 )، و ” الحذر من الغرام بالنساء” ( 117) و” التواضع” ( ص 118) و ” حفظ المليح و الرائع من الأحاديث” ( ص 121 ) ( والأحاديث هنا بمعنى الحكايات الطريفة ) . أما  الجزء الأخير فقد خصصه لقضية الصحبة ( أي الصداقة وليست صحبة الرسول ) وفيها العديد من النصائح حول اختيار الأصدقاء وكيفية التعامل معهم وحسن الإستماع ومجالسة الآخرين…[24]

أما الجزء الذي يهمنا نظرا لعلاقته المباشرة بالسلطة أو ما يسميه ابن المقفع ” السلطان ” ( وهي كلمة لا تتجاوز في معناها في تلك الفترة: الإمارة أو الولاية أو النفوذ السياسي ) فهو بدوره محدود الحجم  ( ص 68 – 79 و 95 – 96  )  والفائدة. ففي هذه الصفحات القليلة  تناول كاتبنا مسائل عامة أغلبها في شكل أمثال وحكم عاكسة بعض الموروث الفارسي حول الحكام والطرق المثلى للتسيير ولم تكن بعلاقة مع الواقع السياسي لدولة الخلافة أو سلطة العباسيين في بدايتها. ومن بين هذه النصائح و الحكم: العمل على استشارة  ذوي الرأي،[25]  و تجنب المدح و التزكية،[26] و عدم التسرع في الثواب أو العقاب،[27]وتفويض بعض السلطات إلى الكفاة…[28] ونبحث عما هو سياسي فلا نجد له أثرا سوى فقرة يتيمة تتحدث عن أنواع المُلك ( ونحن في إطار خلافة إسلامية) الذي يعتبرها ثلاثة : ملك دين و ملك حزم و ملك هوى.[29] ولا يهمنا هنا التعريفات المنمقة لهذه الأنواع التي ذكرها  بقدر عدم اتساقها بواقع الدولة الإسلامية الناشئة ، فلا وجود للمبادىء الإسلامية التي مازالت تمثل مرجعية اساسية في الحكم، و لا علاقة لما يورده بتجربة الأمويين السابقة و لا بواقع سلطة بني العباس الناشئة، وهو ما يجعلنا نتساءل عن مدى ارتباط هذا النوع من الأدب بالواقع الإسلامي ومدى تأثيره في السلطة والمجتمع آنذاك؟ في الحقيقة  لا نلمس أي علاقة للأدبين الصغير و الكبير  مع الواقع الإسلامي للقرن الثاني للهجرة و لا نعثر على أي تأثير لهذه الكتابات في الفكر الإسلامي عموما والسياسي بصفة خاصة سواء في تلك الفترة او حتى في الفترات اللّاحقة لها، وعكس ذلك نلاحظ أن رسالته في الصحابة كانت أكثر التصاقا بالواقع وتعبر عن بداية تشكل فكر سياسي جديد.

رسالة في الصحابة:

نشرت هذه الرسالة في حوالي 11 صفحة ( ص 120 – 131 )  من طرف الأستاذ محمد كرد علي ضمن ” رسائل البلغاء “[30] سنة 1913. ومن أهم الأبحاث  التي تناولتها دراسة المستشرق قويتاين ( انظر إحالة رقم 2 ). و الصحابة هنا لا تعني صحابة الرسول ( ص ) بل محيط السلطان و حاشيته. و يمكن القول أن هذه الرسالة تمثل الأثر الوحيد لابن المقفع فهي ليست مجرد نقل أو تعريب مثلما هو الحال بالنسبة للأدبين بل نكاد نجزم أنها من تأليف كاتبنا في مجملها، وحتى إن وجدنا في طيّها  بعض الحكم أو النصائح المنقولة فهي نادرة جدا ولا تؤثر على  الإضافات الجديدة ولا على ارتباط مضمونها بواقع الحكم العباسي في عهد المنصور.  ورغم العنوان لا تحتل مسألة الصحابة إلاّ حيّزا محدودا جدا[31]  مقارنة ببقية مكونات الرسالة التي يمكن اعتبارها مقترح برنامج سياسي الغرض منه إصلاح حال الخلافة في عهد هذا الخليفة. في هذه الرسالة تختلف طريقة الكتابة ونوعية الخطاب الذي تحمله. فهي ليست مجرد حكم وأقوال متناثرة، وصالحة لكل الأماكن و الأزمان  بل مقترحات عملية تجرّأ صاحبها على  تقديمها آنذاك إلى أعظم حاكم في العالم مع بداية حكمه، خاصة أن الخلافة العباسية لم تكن  في وضع متأزم وسلطة العباسيين الأوائل كانت في أوج قوتها، فالمنصور كان قد تخلص من أعظم قواده أبا مسلم الخراساني، وأزاح أعمامه عن السلطة. حاول ابن المقفع ان يخفف من هذه الجرأة إن لم نقل التدخل السافر فيما لا يهمه قائلا: ” وفي الذي قد عرفنا من طريقة أمير المؤمنين ما يشجع ذا الرأي على تناوله بالخبرة فيما يظن أنه لم يُبلغه إياه غيره و بالتذكير بما قد انتهى إليه: و لا يزيد صاحب الرأي على ان يكون مُخبرا أو مُذكّرا، وكل عند أمير المؤمنين مقبول إن شاء الله “.[32] ولا نعرف بالضبط مدى تأثير هذا الكلام على المنصور، ولعل هذه الرسالة ، في حالة عدم الرضا عما جاء فيها، كانت حتما سببا من أسباب مقتل ابن المقفع.

     أول ما نلاحظه هو اختلاف هذه الرسالة عن كتابات الفقهاء شكلا ومضمونا، ففي بدايتها لا نجد بسملة و لا حمدلة، بل هي تبدأ  بعبارة : ” أما بعد، أصلح الله أمير المؤمنين “، ولأول مرة في ما نسب إليه من الكتابات تعترضنا التسمية الرسمية للخليفة: ” أمير المؤمنين “، عوض الاستعمالات السابقة مثل ملك أو سلطان… وهي موجهة رأسا إلى المنصور، وهو ما يدعم رأينا بأنه لا شك في كون كاتبها الفعلي هو ابن المقفع.

     تناولت هذه الرسالة عدة مسائل  منها:  الجند من أهل خراسان، مسألة الطاعة، أهل بيت بني العباس، أهل الكوفة و البصرة ( المصران )، أهل الشام، جزيرة العرب،  توحيد القضاء،  أمر الصحابة،  أمر الأرض و الخراج، مع خاتمة حول العلاقة بين الإمام والخاصة و العامة.

     استعمل ابن المقفع مصطلحات معينة لإيصال أفكاره وتنظيمها و قد رتب أفكاره بطريقة غير مسبوقة وكأنه يقدم لائحة مطالب أو  برنامج عمل، فقد عمل على الفصل بين المسائل المضمّنة في رسالته مع افتتاحها  بعبارات معينة حرص على اختيارها من قبيل  :

  • ” فمن الأمور التي يُذكّر بها أمير المؤمنين” ( مرة واحدة ).[33]
  • ” ومما يُذكّر  به أمير المؤمنين ”  ( 06 مرات ).[34]
  • –       ” و مما يُنظَر فيه ” ( 03 مرات ).[35]
  • ” ومن ذلك ” ( مرّتان ).[36]
  • –       ” فلو رأى أمير المؤمنين ” ( مرة واحدة ).[37]
  • –       ” فأقول لو أن امير المؤمنين ” ( مرة واحدة ).[38]

لم يكن ابن المقفع من السذاجة لكي يعتقد أن حشر أنفه في كل ما يهم السلطة آنذاك سيمرّ  بسلام، لذلك فقبل استعمال هذه الصيغ قدّم هذه الآراء بطريقة ربما كان يعتقد أنها ستجعل خطابه مقبولا عند الخليفة، من ذلك قوله : ” وفي الذي قد عرفنا من طريقة أمير المؤمنين ما يشجّع ذا الرأي  على تناوله بالخبرة فيما يظنه أنه لم يُبلغه إياه غيره و بالتذكير بما قد انتهى إليه: و لا يزيد صاحب الرأي على أن يكون مُخبرا أو مُذكّرا. وكلٌّ عند امير المؤمنين مقبول إن شاء الله.”[39] وهل كان المنصور في حاجة إلى أخبار ينقلها له ابن المقفع وإلى التذكير بخصوص  مسائل تهم  أسس التسيير و الحكم؟

سنتناول هذه المسائل حسب الترتيب الذي وضعه لها الكاتب، وسنجتهد في تقييم مدى أهميتها مما استدعى إخبار الخليفة وخاصة تذكيره بها، و ما هو مدى نجاح ابن المقفع في مسعاه البريء أو غيره؟

أ – أمر الجند من أهل خراسان[40] : ” جند لم يُدرك مثلهم في الإسلام “، هذه هي القضية الأولى التي اثارها ابن المقفع، وهو يعرف أن المنصور خارج من محنة قتله لقائدهم الكبير: أبا مسلم الخراساني” الذي بفضله نجحت الثورة العباسية. وهو يقترح على الخليفة في هذا الصدد أن يكتب إليهم : ” أمانا معروفا بليغا وجيزا مُحيطا بكل شيء…”[41] صدارة هذه القضية في اهتمامات صاحب الرسالة، تعكس  تعاطفا مع هؤلاء رغم صراعهم المباشر مع السلطة العربية القائمة، وهل كان من المجدي تذكير الخليفة بذلك؟

ب – مسألة الطاعة[42] : وهي مسألة مركزية في تاريخ السلطة في الإسلام ، وبعض قواد الخليفة حسب قول ابن المقفع يعتقدون أن ” أمير المؤمنين لو أمر الجبال أن تسير سارت و لو أمر ان تُستَدبَر القبلة بالصلاة فعل ذلك “.[43]ولم يكن كاتبنا موافقا على مقولة ” لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق” و لا على الموقف المعاكس ” نطيع الأئمة و لا نفتش عن طاعة الله و لا معصيته ” واختار موقفا وسطا يرى وجوب طاعة الإمام ” فيما لا يطاع فيه غيره “[44]

ت – أمر الجند[45] : وهو يقترح عدم تولية احد منهم شيئا من الخراج، وإعادة النظر في التراتبية داخله، و خاصة تحديد اوقات معينة  ( كل 3 او 4 اشهر ) لتوزيع الأرزاق عليهم .

ث – أمر البصرة و الكوفة[46]: اعتبر ابن المقفع ان أهل هذين المصرَين هم أقرب الناس إلى أن يكونوا شيعة الخليفة بعد أهل بيته. ومن المحبذ اختلاطهم بأهل خراسان، فهو يرى من المستحسن اختلاط الناس بالناس: العرب بالعجم و أهل المصرَين بأهل خراسان. وهو يسعى من وراء ذلك إلى ضمان رضا الخليفة على من كان مناصرا لأعمامه من سكان الكوفة و البصرة.

ج – توحيد القضاء ( الأحكام )[47]: نظرا لاختلاف الأحكام في الكثير من الأحيان من  منطقة إلى اخرى ، يقترح ابن المقفع توحيدها قائلا: ” فلو رأى امير المؤمنين أن يأمر بهذه الأقضية و السير المختلفة فتًرفع إليه في كتاب…و أمضى في كل قضية رأيه…وينهي عن القضاء بخلافه”.

ح – أمر أهل الشام[48] : والشام هو معقل أنصار الأمويين الأعداء التاريخيين للعباسيين، و جرحهم لم يندمل بعد. لذلك ينصح ابن المقفع المنصور بائتلاف البعض من خاصتهم ” ممن يرجو عنده صلاحا أو يعرف منه نصيحة أو وفاء فإن أولئك لا يلبثون أن ينفصلوا عن أصحابهم في الرأي و الهوى “

خ – أمر الصحابة[49] : مسألة الصحابة هي عنوان الرسالة، لكنها لا من حيث الحجم و لا من حيث المحتوى لا تبدو أهم أو أخطر من المسائل الأخرى التي وردت في هذه الرسالة. وابن المقفع لا يضيف شيئا عندما ينصح الخليفة بتخيّر مساعديه وأصحابه و التثبت منهم وأن يحدّد لكل واحد منزلته و وظيفته حسب الأهمية و الوضع الاجتماعي ” لا يكون للكاتب فيها أمر في رفع رزق و لا وضعه و لا للحاجب في تقديم إذن و لا تأخيره “.

د – أمر فتيان أهل بيته ( الخليفة ) و بني أبيه و بني علي و بني العباس[50] : هذا أغرب تذكير، فابن المقفع ينصح الخليفة بأن يهتم بأقاربه ” لأن فيهم رجالا لو متعوا بجسام الأمور و الأعمال سدُّوا وجوها و كانوا عدة لأخرى “. هذا التدخل السافر في أمور تخص العائلة الحاكمة يُخفي شيئا خطيرا وهو الدفاع المبطّن عن أعداء المنصور الشرسين : بنو علي بن العباس، و لا يسعنا هنا إلاّ التنويه بوفاء ابن المقفع لحماته و أصدقائه الذين مات من أجلهم.

ذ – أمر الأرضين و الخراج[51]

ر – أمر جزيرة العرب من الحجاز واليمن واليمامة وما سوى ذلك[52]

تناول ابن المقفع عشر مسائل في رسالته الموجهة رأسا إلى الخليفة، دافع فيها أحيانا عن أعداء المنصور المعلنين مثل قادة الجند الخراساني او بني علي بن العباس، و تدخل أحيانا في امور لا تهمه. وفي الحقيقة ، ليس لدينا أي علم عن النتائج الآنية لهذه الرسالة  في مستوى الخليفة أو محيطه السياسي أو النخب بصفة عامة. و لا تفيدنا المصادر المتوفرة عن نتائج على المدى البعيد، تهم كتابات عربية او فارسية استلهمت هذه الأفكار في الفترات الموالية. لكن ما تؤكده الأحداث التاريخية هو أن الخليفة كان يحقد على ابن المقفع و ربما كان وراء  قتله بصفة شنيعة، ولعل هذه الرسالة كانت من بين الأسباب التي حدّدت مصير كاتبنا. وإلى هذا الحدّ لا نبالغ حين نقول ان التأثير الفارسي على الفكر السياسي الإسلامي كان شبه منعدم في الفترة العباسية الأولى ( حتى منتصف القرن الثالث للهجرة )، وفي المقابل كان للفقهاء مثل أبي يوسف أكثر تأثيرا في الحياة والفكر السياسيين. وسننتظر منتصف القرن الرابع للهجرة  لكي نشهد أعظم و أخطر  التحولات السياسية التي عرفتها الخلافة بسيطرة الأمراء البويهيين على بغداد وقد أثر ذلك في السلطة وفي التفكير في مسألة السلطة.

II  – الخلافة و الإمارة و السلطنة :

     استولى البويهيون  الديلم على مقاليد السلطة ببغداد بداية من سنة 334 هـ / 935 م، وكانوا من الشيعة الزيدية  وقد تسمّوا بالأمراء وتلقبوا بألقاب ملوكية: معز الدولة ( أحمد بن بويه ) وعماد الدولة ( علي بن بويه  )  و ركن الدولة ( الحسن بن بويه ). وقد مثلت فترة سيطرتهم على الخلافة نوعا من التعايش بين خلافة سنية وإمارة زيدية دام حوالي مائة وسبع و عشرين سنة،[53]  غير أن أهم ما ميزها هو خلق مؤسسات موازية لمؤسسات الخلافة، تمتلك وتحتكر السلطة الفعلية. فمقابل دار الخلافة ( مقر الخليفة ) استقر الأمراء البويهيون في دار المملكة ( مقر الأمير البويهي ) و أصبح للأمراء البويهيين وزراؤهم الذين أصبحت لهم اليد العليا على وزراء الخليفة و سيطرة تامة على مقاليد الأمور… وقد عبّر المسعودي وهو معاصر لبداية سيطرة البويهيين عن هذه الوضعية قائلا : ” وزالت أكثر رسوم الخلافة و الوزارة في وقتنا هذا “.[54] وتواصلت هيمنة البويهيين إلى حد الغطرسة اتجاه الخليفة وفي سنة 429 هـ / سأل جلال الدولة الخليفة القائم بأمر الله بان يُخاطب بملك الملوك ( أي شاهنشاه عند الفرس )، وقد رفض الخليفة القائم ذلك في بداية الأمر لكن أمام إلحاح جلال الدولة وسطوته ، لم يجد بدا سوى القبول بذلك مستأنسا بفتاوى ومباركة بعض القضاة مثل أبي الطيب الطبري وأبي عبد الله الصّيمري وابن البيضاوي وأبي القاسم الكرخي ولم يمتنع عن ذلك سوى قاضي القضاة أبي الحسن الماوردي.[55] ويعتبر البيروني أن الخليفة لم يعد سوى رئيس روحي فقط مقابل سلطة زمنية في يد البويهيين: ” فأما امتداد أيام المطيع إلى قريب من ثلاثين سنة فذلك لأجل أن عندهم أن الدولة و الملك قد انتقل في آخر أيام المتقي و أول أيام المستكفي من آل العباس إلى آل بويه والذي بقي في أيدي العباسية إنما هو أمر ديني اعتقادي لا ملكي دنياوي… فالقائم من ولد العباس الآن إنما هو رئيس الإسلام…”[56] وما يلفت، حقا، الانتباه هنا هو هذا الفصل الواضح بين السلطتين الدنيوية و الروحية، واكتفاء الخليفة بهذه الأخيرة، وهو أمر سيتعمق أكثر بعد سيطرة السلاجقة على بغداد.

     دخل السلاجقة بغداد مع منتصف القرن الخامس هجري / الحادي عشر ميلادي، وقد تزامن ذلك مع أعمق و أخطر أزمة عرفها العالم الإسلامي عبر التاريخ، حيث عرفت مختلف المناطق سواء في المشرق أو المغرب تراجعا رهيبا على جميع المستويات وشملت مختلف مظاهر الحياة: السياسية و العسكرية ( أصبح العالم الإسلامي في حالة دفاع بعد أن كان في حالة هجوم : سقوط طليطلة، سقوط صقلية ، الحروب الصليبية… ) و الإقتصادية  ( فقدان السيطرة على البحر وعلى المبادلات ) و المذهبية  ( التماثل المذهبي في كل جهة ) و الاجتماعية ( الحركات البشرية: تقدم البداوة  وتراجع الاستقرار و التحضر…). ولما دخل طغرلبك بغداد لم يكن يفهم اللغة العربيّة وجاء معه ” محمد بن المنصور الكندري مُفسّرا و مُترجما و مُعرّبا عنه ما كان مُعجما”.[57]

منذ بداية الحضور السلجوقي، أصبحت السلطة الفعليّة بأيديهم بمباركة الخليفة القائم الذي جمع لطغرلبك ” تاجي العرب و العجم”[58] وقد تسمّى هذا الأخير أيضا ” بالمتوّج و المعمّم”.[59] وكان البويهيون يعرفون بالأمراء فاستعمل السلاجقة  لقب ” السلطان”  : ” وقد خلع الخليفة على السلطان طغرل سبع خلع و طوّقه و سوّره وكتب له عهدا علىما وراء بابه وخاطبه سلطان المشرق و المغرب”[60] . هكذا أصبح السلاجقة يتحكمون فيما هو خارج بغداد حتى أن طغرلبك أمر وزيره عميد الملك بأن يقبض الإقطاعات و لا يترك للخليفة ( القادر) إلاّ ما كان باسم القادر قديما[61]. لقد تقاسم السلاجقة مع الخليفة السلطة والثروة و الجاه، وهذا جعلهم يستحدثون ألقابا جديدة تعكس هذه الهيمنة المطلقة على الدولة و الخلافة مثل : ” يمين أمير المؤمنين”[62]  و ” قسيم أمير المؤمنين”[63] ، أما أشهر وزرائهم نظام الملك فقد تلقب بلقب ” رضيّ أمير المؤمنين”.[64] بصفة عامة يمكن القول أن البويهيين قد ساهموا إلى حد كبير في إضعاف مؤسسة الخلافة وتقليص سلطة الخليفة، ثم جاء السلاجقة ليعمقوا هذه الوضعية ويستولوا على كل شيء باستثناء رمزية الخليفة الروحية. وتجرّأ طغرلبك من على الزواج من بنت الخليفة ، الذي رفض و هدّد بالخروج من بغداد  لكنه قبل، أخيرا، الأمر الواقع مكره على ذلك وفي هذا الصدد يذكر ابن الأثير : ” …وهذا ما لم يُجر للخلفاء مثله، فإن بني بويه مع تحكّمهم و مخالفتهم لعقائد الخلفاء، لم يطمعوا في مثل هذا و لا ساموهم فعله “[65]. وحتى زوجة الخليفة القائم  أرسلان خاتون بنت داود فقد تزوجت بعد وفاته بأبي جعفر بن كا كويه فقال الأصفهاني ” استبدلت عن القرشي ديلميا.”[66] هكذا كان حال الخلافة في منتصف القن الخامس للهجرة.

 III– القلم  الفارسي و السيف التركي ونهاية الخلافة:

كان السلاجقة أصحاب سيف فقط ، وكانوا لا يعرفون اللغة العربيّة وليست لهم مهارات إداريّة، فكانوا مضطرّين للاعتماد على العنصر الفارسي في الكتابة و الوزارة و الدواوين. ومن أشهر وزرائهم نظام الملك الطوسي ( 408 هـ / –  485 هـ / )، الذي تولى الوزارة لألب أرسلان و ملكشاه  السلجوقي طيلة ثلاثين سنة من سنة 455 هـ /  إلى سنة 485 هـ /  ولقب ب ” تاج الحضرتين ” لأنه وزير لسلطانين.

تولى نظام الملك الوزارة بعد عزل الوزير عميد الملك الذي حُبس في نيسابور، ولما جاءه الجلاد لقتله قال له: ” قل للوزير نظام الملك ، بئس ما فعلت، علّمت الأتراك قتل الوزراء و أصحاب الدواوين”.[67] هذه الحادثة تعكس علاقات التحالف أو الصراع بين أصحاب القلم: الكتاب و الوزراء الفرس وأصحاب السيف: المقاتلون الأتراك الذين أصبحوا يسيطرون بقوة السلاح و الحميّة على مختلف المناطق الخاضعة نظريا إلى  الخلافة العباسية ( العراق و الشام وممالك أواسط آسيا ). وقد نجح نظام الملك في خلق توازن سياسي كبير مع السلاجقة الأتراك إلى حد التعامل معهم الند للند، وقد ساعده في ذلك ذكاؤه الوقاد وقدرته على المناورة واستعمال المدرسة وشبكات المصاهرة و الأنصار لحماية نفسه ومصالحه ولفرض برامجه.

أسّس نظام الملك، نظامية بغداد، ثم ” بنى المدارس النظاميات في سائر بلاد العراقين و خراسان “[68]، ومن خلال شبكة المدارس هذه أصبح له الفضل على ألمع التلاميذ و الأساتذة، الذين كانوا يكنون له الاحترام ويدينون له بالولاء، و أبرزهم مرّ من هنا مثل: الإمامين : الجويني والغزالي. سوف نختصر الحديث عن شبكات علاقاته ومصاهراته واصطناعه المماليك و الغلمان إلى حد إنشاء دولة داخل الدولة، لأن موضوع بحثنا يهم الفكر السياسي في تلك الفترة لا غير، لكن سنذكّر على الأقل بما قاله السلطان ملكشاه لنظام الملك قبل تدبير اغتياله: ” …إنك استوليت على ملكي و قسّمت ممالكي على أولادك و أصهارك و المماليك فكأنك لي في الملك شريك. أتريد أن آمر برفع دواة الوزارة من بينيديك، و أُخلّص الناس من استطالتك…” وأجاب نظام الملك: ” قولوا للسلطان، كأنك اليوم عرفتَ أني في الملك مساهمك و في الدولة مقاسمك، و إن دواتي مقرونة بتاجك فمتي رَفعتَها رُفع، ومتى سَلبتَها سُلب…”[69] وإن دلّ هذا فإنه يدل على نوع من  التوازن القائم بين السيف و القلم، وهو شيء نادر لأننا تعودنا عبر العصور على القلم المدجّن من طرف السيف. وقد عبّرت المصادر عن هذا التوازن بصفة غير مباشرة حيث قال الإصفهاني: ” تولّى ( نظام الملك) الوزارة و الملك قد اختلّ نظامه… فأعاد الملك إلى النظام …فقسّم الملك الذي حازه السيف بقلمه أحسن تقسيم وقوّمه أحسن تقويم“.[70]

نعم لقد كان القلم الفارسي فاعلا ومؤثرا في أحداث و أفكار النصف الثاني من القرن 5 هـ / 11 م، ولا أدلّ على ذلك من صدور على الأقل أربعة مؤلفات متتالية تابعة لمدرسة نظام الملك وهي: كتابي ” النظامي” و ” الغياثي ” لإمام الحرمين الجويني ( 419 هـ /  1029- 478 هـ / 1085)، وكتاب ” سياسة نامة” لنظام الملك الطوسي ( 408 هـ /  1017 – 485 هـ / 1092 ) ثم كتاب ” التبر المسبوك في سياسة الملوك ” لأبي حامد الغزالي الطوسي (   – 505 هـ /  1111) وهو من تلاميذ الجويني و درّس في نظامية بغداد.

  • الغياثي : عنوانه الكامل ” غياث الأمم و التياث الظُلم “[71] لصاحبه أبو المعالي عبد الملك الجُويني، وعرف بإمام الحرمَين لأنه جاور بمكة و المدينة حوالي أربع سنوات، وهو فارسي الأصل نشأ في نَيسابور من خراسان. و الغياثي هو ثاني كتاب ( بعد النظامي ) يؤلفه الجُوَيني لصاحب الفضل عليه الوزير نظام الملك ( غياث الدولة ): وقد عبّر عن ولائه له قائلا:

تدين لك الشّمُّ الأنوف تخضّعا        و لو ان زُهر الأفق أبدت تمرّدا

وإني لغرس أنت قِدما غرستَه         وربَّيتَه  حتى  علا  و   تمدّدا

لأنك أعلى الناس نفسا و همّة          و أقربهم عرفا و أبعدهم مدى

وما أنا إلاّ دوحة قد غَرَستَها       و أسقيتها حتى تمادى بها المدى[72]

استعمل الجويني لتوصيف نظام الملك ألقابا تختلف في الشكل وتتشابه في المعنى عاكسة عظمة الرجل وسطوته وموقعه السياسي و الاجتماعي آنذاك، من ذلك: ” سيد الورى ومؤيد الدين و الدنيا”[73] ؛ ” كهف الأمم مستخدم السيف و القلم “[74] ؛ ” سيّد الدّهر و صدر العصر”[75] ؛ ” صدر الزمان “[76] ؛ ” فرد الدهر و مرموق العصر “[77] ؛ ” صدر الورى “[78] ؛ ” كهف الدين و الدنيا “[79] ؛ ” صدر العالم “[80] ؛ ” صدر الدين “[81] ؛ ” صدر الدين و الدنيا “[82] ؛ ” سيّد الدين و الدنيا “[83]. كان القلم الفارسي هو الذي يكتب و الرؤية الفارسية للحكم هي الطاغية، وهذا شيء طبيعي فلم يبق للعرب سيف يذكر ولا قلم يسطّر سوى مواقف بعض الفقهاء الذين يحاولون دون فائدة الدفاع عن شرعية لم تعد مقبولة ومن هؤلاء الماوردي الذي لم يسلم من نقد الجويني الحاد.

كانت مواقف الجويني واضحة بالنسبة للإمامة، أولها ان الإجماع ليس شرطا لانعقادها، حيث يقول: ” وقد تحققنا أن الإجماع ليس شرطا، فانتفى الإجماع بالإجماع”[84]، وثانيها عدم ضرورة النسب القرشي، وهو يطرح التساؤلات قائلا : ” فإذا قيل ما قولكم في قرشي ليس بذي دراية، و لا بذي كفاية ( وهو حال جل خلفاء بني العباس ) إذا عاصره عالم كاف تقي ( ربما يكون هذا نظام الملك نفسه )، فمن أولى بالأمر منهما؟ قلنا لا نقدم إلاّ الكافي التقي العالم، ومن لا كفاية فيه فلااحتفال به ، و لا اعتداد بمكانه أصلا.”[85]

وإن كان الماوردي يتحدث عن الاستيلاء في الولايات البعيدة و التفويض في بغداد فإن الجويني لا يرى ضررا بأن يكون ذلك بخصوص الإمامة أي الخلافة فهي حسب رأيه لا تثبت إلاّ: بتولية عهد من إمام، أو صدور بيعة ممن هو من أهل العقد أو: بحكم التفرّد و التوحد.[86]وما يضيفه الجويني هنا هو أن ” الرجل الفرد إذا استغنى عن الاختيار و العقد ، فلا بد ان يستظهر بالقوة والمُنة، ويدعو الجماعة إلى بذل الطاعة، فإن فعل ذلك فهو الإمام على أهل الوفاق و الأتباع، وعلى أهل الشقاق والامتناع “.[87]

هكذا يعطي إما م الحرمين المشروعية لأي مغامر أن يصبح خليفة للمسلمين فهو يكتب في فترة تلاشى فيها النسب القرشي، و لم يعد للإجماع معنى أمام السيف التركي المسلّط على رقاب الجميع و أصبح الاستحقاق الميداني هو المحدّد في انتقال السلطة وفي تولّيها وفي ممارستها. ألا يفسر هذا ما خاطب به ولي نعمته نظام الملك قائلا: ” فامض يا صدر الزمان قُدما و لا تؤخر الانتهاض لما رشّحك الله له قدما…”[88]

  • سياسة نامة[89] ( كتاب السياسة )، لنظام الملك الطوسي ( 408 هـ / 1017- 485 هـ /  1092)، الذي كان وزيرا للسلطان ألب أرسلان ثمّ لابنه ملكشاه السلجوقي. ألف كتابه بطلب من هذا الأخير، ولعل ذلك كان قبيل وفاته بقليل، لأن الكتاب أظهره محمد المغربي كاتب السلطان الخاص بعد اغتيال نظام الملك ( 485 هـ / 1092 )، و لا نعرف إن كان  هذا الكتاب الذي كُتب أصلا بالفارسية قد تعرّض إلى نوع من التحريف و الإضافات أم وصلنا في صيغته الأصلية. يقول نظام الملك : ” عمدتُ إلى درج كل ما كنتُ أعرفه أو رأيته أو خبرته من تجارب في حياتي، أو تعلّمته من أساتذتي في الموضوع…”، فالكتاب هو عصارة تجربته الشخصية و رؤيته للسياسة وكيفية تدبير الأمور في النصف الثاني من القرن الخامس للهجرة. وقد توخى صاحبه طريقة بيداغوجية في تقديم المادة المبوبة على 50 فصلا. و ادّعى أنه ” ليس لأيّ ملك أو حاكم مندوحة من اقتناء هذا الكتابومعرفة ما فيه لا سيّما في هذه الأيام. فكلما قرأوه ازدادت درايتهم بأمور الدين و الدنيا… وانفتحت أمامهم سبل تصريف الأمور وإدارته… و اتضحت لهم قواعد تدبير شؤون البلاط و القصر و الديوان و المجلس و الميدان و الأموال و المعاملات و العسكر و الرعية…”.

وينطلق نظام الملك من فكرة أن الله تخيّر في كل عصر واحدا من خلقه للقيام بشؤون الدين و الدنيا وها هو يختار في ذلك العصر ” سلطان العالم و الملك الأعظم ” أي ملكشاه.[90] ثم تناول العديد من المواضيع مثل مسألة العمران و العدل وعمال الخراج و مراقبة الأعوان واتخاذ الندماء الأكفياء[91] وتنظيم مجلس الشراب وشروطه…[92]غيرها من المسائل التي كان يستعرضها باختصار شديد ثم يدعمها بالعديد من الحكايات و الأخبار فيها ما هو صحيح وفيها ما هو بعيد عن الواقع و التاريخ وغرضه في ذلك دائما هو العبرة و الوعظ لا أكثر. وإن كان هذا الكتاب يحتوي على العديد من المعلومات المهمة التي توحي بطبيعة التنظيمات المالية و العسكرية و الإدارية لتلك الفترة ورؤية و موقف نظام الملك منها، فإن الرسائل المبطنة أو المعلنة التي أراد إيصالها إلى ملكشاه  هي أولا ، أهمية دور الوزير وكيفية تخيّره: ” فما الملوك العظام الذين دان لهم العالم و الذين سوف تظل أسماؤهم مقترنة بذكر الخير إلى يوم القيامة إلاّ أولئك الذين لهم وزراء أخيار…”[93] وثانيا أهمية العنصر الخراساني في حياة الدولة و عظمتها: فهو يذكر على لسان ألب أرسلان مخاطبا أحد أعوانه  ( وهي في الظاهر حكاية مختلقة ): ” لقد أعزّ الله عز وجل الترك و سلطهم على رقاب الديالمة، لأنهم مسلمون خلص لا يعرفون البدع و الأهواء…. اما و أنت تركي يجب أن يكون جيشك خراسانيا، و أن يكون عمّالك و كتبتك و أعوانك و مُتصدّو شؤونك خراسانيين ايضا، و هكذا الأمر بالنسبة للترك جميعا…”[94] هكذا استغل نظام الملك شعار محاربة ” أصحاب المذاهب الخبيثة” و ” أعداء الملك و الإسلام “[95] لكي لا يترك شيئا للأتراك السلاجقة، و لعل هذا الطموح اللاّمتناهي هو الذي كان سببا في قتله.

  • التبر المسبوك في نصيحة الملوك[96]لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي ( 450 هـ / 1058 – 505 هـ / 1111 )، أصل الغزالي من طوس مثل نظام الملك، وقد تتلمذ على الجويني، وفي سنة 484 هـ / 1091 م قدم إلى بغداد للتدريس في المدرسة النظامية،[97] فهو نتاج هذه الموجة السنية التي دفع بها نظام الملك إلى الساحة العلمية والسياسية، فكان معاصرا لأبنائه الوزراء جمال الملك و عز الملك ومواليا لسلطان عصره محمد بن ملكشاه الذي ألف له كتاب ” التبر المسبوك في نصيحة الملوك “، وقد وضع  الأصل  بالفارسية وقام بتعريبه أحد تلامذة المؤلف. لم يشذ الغزالي عن الجويني أستاذه أو نظام الملك صاحب الفضل عليه، بالتودد إلى السلاطين الأتراك فكان يخاطب محمد بن ملكشاه  ب ” سلطان العالم ، ملك الشرق و الغرب “[98] في نفس الفترة التي كان الصليبيون قد استرجعوا طليطلة في شمال الأندلس وانتزعوا صقلية من يد الزيريين واحتلوا سواحل الشام و فلسطين…في هذه الفترة كانت حدود سلطنة السلاجقة الأتراك و خلافة بني العباس لا تتعدى في الكثير من الأحيان، عندما نستثني الحملات العسكرية الجبائية، ضواحي بغداد.

يفتتح الغزالي كتابه بتذكير السلطان محمد بن ملكشاه بأن يسقي بذرة الإيمان في صدره لكي تصبح شجرة ذات أصول و فروع و لا يمكن ذلك إلاّ إذا أفرد سلطان العالم يوما من ايام الأسبوع لعبادة ربه ويسأله قائلا : ” وماذا عليك لو أفردت يوما واحدا لخدمة ربك؟”[99]. ومثله مثل كل فقهاء عصره أول شيء ينادي به هو الشيء الغائب دائما وهو : ” العدل في الرعية والكفّ عن الظلم “[100] ملتجئا إلى اعتماد الأحاديث الموضوعة لإقناع سلطانه، من ذلك ما روُي عن الرسول ( ص ): ” عدل سلطان يوما واحدا أحبّ إلى الله من عبادة سبعين سنة “[101] و ” كل صلاة يصليها  ( السلطان العادل ) تعدل سبعين ألف صلاة “[102]…. وبنفس طريقة سياسة نامة تتعدد الحكايات و الأخبار والحكم التي تتخلل الرسائل السياسية التي يراد إيصالها إلى صاحب القرار، والتي يرمي منها الغزالي الموعظة الحسنة لأولي الأمر والعمل على ترغيبهم ولما لا ترهيبهم أحيانا. إضافة إلى مسألة العدل[103]التي تبدو مركزية في فكر الغزالي فإنه لم يترك الفرصة تفوته لكي يذكّر السلطان بالحاجة إلى  رؤية العلماء و  الحاجة إلى نصحهم[104]. كما أنه ينبهه أيضا إلى أهمية دور الوزير ( و كان أبناء نظام الملك هم الوزراء ) مستعينا بما وُضع من أحاديث مثل ما يُنسب للرسول ( ص ) من قوله : ” إذا أراد الله بأمير خيرا قيّض له وزيرا نصيحا صادقا صبيحا، إذا نسى ذكّره و إن استعان به أعانه “.[105] ويضيف الغزالي بأنه ” لا يمكن لأحد من الملوك أن يصرف زمانه و يدبّر سلطانه بغير وزير”.[106]

كان الغزالي يكتب في فترة لم يعد فيها للخليفة أي دور أو أية قوة مادية كانت أم معنوية، لذلك فإنه  وضع سلاطين آل سلجوق بعد الأنبياء مرتبة متجاهلا ما وقع منذ خمسة قرون من تاريخ الدولة الإسلاميّة، مؤكدا  : ” أن الله اختار من بني آدم طائفتين: وهم الأنبياء ليبينوا للعباد على عبادته دليل، واختار الملوك لحفظ العباد من اعتداء بعضهم على بعض…كما يُسمع في الأخبار: السلطان ظل الله في أرضه “[107]، هكذا لم يعد النبي ظل الله في الأرض، و لا الخليفة، بل أصحاب السيوف من بني سلجوق. ويكرر لنا فكرة نظام الملك بأن الله يصطفي في كل عصر و زمان ” جماعة يختارهم من عباده مثل السلاطين و الوزراء و أكابر العلماء”[108]، وطبعا في تلك الفترة بالذات ” أوجد الله تعالى بركات آل سلجوق “.[109]

هكذا لم يختلف الخطاب السياسي للغزالي عن أستاذيه الجويني و نظام الملك، وكلهم نتاج المدرسة النظامية، وهي مدرسة استغلت اللسان و القلم الفارسيين لخدمة ” سلطان العالم و الملك الأعظم”، فكان خطابهم في ظاهره يهدف إلى انفتاح ” سبل تصريف الأمور و إدارتها “[110] أمام السلاطين وفي باطنه يشرّع للاستبداد وتقاسم سلطة بائسة وثروة نابضة بين عنصرين ( الفرس و الأتراك ) نجحا في إزاحة العرب من التاريخ.

خاتمة:

رغم حضور العنصر الفارسي في الدولة الإسلامية منذ نشأتها ( سلمان الفارسي ) و رغم الدور الكبير الذي لعبه الخراسانيون في نجاح الثورة العباسية، فإن الحضور الفارسي لم يتجاوز في الثلاثة قرون الأولى مجال الإدارة والجباية وأحيانا الكتابة و الوزارة ( البرامكة ). و رغم ما عرّب أو كتب عبد الله بن المقفع فإن تأثيرهم على مستوى الفكر السياسي خاصة بقي محدودا، إن لم نقل منعدما. فأفكار ابن المقفع لم تؤثر في خلفاء عصره و لا في معاصريه و لا من جاء من بعدهم. وعلينا أن ننتظر سيطرة البويهيين من الديلم على مفاصل الخلافة حتى يبدأ  التأثير الفارسي الفعلي  يبرز شيئا فشيئا من خلال ممارسة السلطة والتعامل مع مؤسسة الخلافة واتخاذ الألقاب وممارسة الاستبداد اللّامحدود… وقد أصبحت التأثيرات الفكرية السياسية واضحة المعالم عندما هيمن الأتراك على مقاليد الأمور السياسية مع منتصف القرن الخامس للهجرة / الحادي عشر ميلادي، معتمدين في الإدارة و الوزارة على العنصر الفارسي الذي جسده بامتياز كل من نظام الملك الطوسي و أبي المعالي الجويني و أبي حامد الغزالي الطوسي. وقد كانت الظرفية ملائمة لكل التحولات الممكنة، حيث كان العالم الإسلامي يتنازعه ثلاثة خلفاء في وقت واحد: في قرطبة و في القاهرة وفي بغداد. وكانت أضعفهم خلافة بني العباس ببغداد التي أصبحت تتكون من ” جزر استبداد ” يحكم كل واحدة منها مغامر أو أمير حرب، هدفه الجباية و لا علاقة له بالخليفة و لا بالرعية. جاء نظام الملك وجماعته كمنقذين للدين من خطر أهل الأهواء، فكانت فكرتهم التحالف مع أهل السيف لحراسة الدين، مستلهمين التراث الفارسي القديم الذي جعلوه أساسا لإيديولوجية هدفها الأول دعم استبداد ” سلطان العالم” وهدفها الثاني التنظير لعدالة منشودة قلما وجدت ولن توجد في تلك الظروف بالذات، وقد اقتصر دور العلماء في هذا المجال على تذكير مالكيهم بضورة العدل و لو باختلاق الأحاديث و الحكم والعبر.

في هذه الفترة انتهى الدور السياسي و العسكري للعرب نهائيا لصالح العناصر الأخرى ( من فرس و أتراك و أكراد)، و انتهت الخلافة بمفهومها القديم نهائيا، سواء في بغداد أو القاهرة أو قرطبة أصبح أمراء العسكر يتحكمون في كل شيء، و انتهى عهد الكيانات الكبرى وبزغ فجر الدولة الإقليمية، وهي ليست بعد دولة مجالية لكنها دولة سلاليّة أصبحنا نقترب بها إلى ” دولة ” ابن خلدون المرتكزة أساسا على العصبيّة. ولكل واقع جديد فكر جديد ، وكانت العراق منذ القدم فارسية الجذور، وفي خضم هذه التحولات سرعان ما تحوّلت إلى محضنة لهذه الأفكار القديمة-الجديدة التي ستستمر في التواجد والانتشار في القرون الموالية خاصة في الشرق.


 انظر: الزركشي، البرهان ، القاهرة 1957، ج 1، 288-289 ؛  السيوطي ، الإتقان ، القاهرة، 1935، 323-325؛  [1]

[2]S.D. Goitein, A Turning-Point in the History of the Muslim State, in: Studies in Islamic History and Institutions, E. J. Brill, Leiden, 1968, p.150.

انظر خاصة: فاروق عمر فوزي، ابن المقفع في تخليط المؤرخين، المورد، مجلد عدد3-1، 1974، ص 47 – 58.[3]

 ن م، ص 47 – 58 . [4]

[5] – أبو بكر الباقلاني، إعجاز القرآن، القاهرة 1971، ص 32.

 – عبد الله بن المقفع، الأدب الصغير و الأدب الكبير، بيروت 1989، ص 15.[6]

 – ن م، ص 57.[7]

 – ن م، ص 64.[8]

 – ن م، ص 65.[9]

 – البلاذري ‘ انساب الأشراف ، ج 4 ، ص 290.[10]

 – ن م ، ج 4،  ص 290.[11]

 – الأدب الصغير، ص 12.[12]

 – ن م، ص 15.[13]

 – ن م، ص 12.[14]

 – ن م، ص 42، 49.[15]

– ن م، ص 25.[16]

 – ن م، ص 26.[17]

 – ن م، ص 26.[18]

 – الأدب الكبير، ص 64.[19]

 – ن م، ص 65.[20]

 – ن م، ص 65.[21]

 – ن م، ص 65-76 و ص 98- 130.[22]

 – ن م، ص 67.[23]

 – ن م، ص 123-131.[24]

– ن م، ص 70.[25]

 – ن م، ص 69.[26]

 – ن م، ص 71.[27]

 – ن م، ص 76.[28]

 – ن م، ص 73.[29]

 – محمد كرد علي، رسائل البلغاء، القاهرة ، 1331 هـ/  1913، ص 120 – 131.[30]

 – المصدر نفسه، ص 127-129.[31]

 – ن م، ص 120.[32]

 – ن م، ص 121.[33]

 – ن م، ص 124، 127، 127، 129، 129، 130.[34]

 – ن م، ص 123، 123، 125. [35]

 – ن م، ص  124، 124.[36]

 – ن م، ص 126.[37]

 – ن م، ص 124.[38]

 – ن م، ص 120.[39]

 – ن م، ص 121.[40]

 – ن م، ص 122.[41]

 – ن م، ص 122.[42]

 – ن م، ص 122.[43]

 – ن م، ص 122.[44]

 – ن م، ص 123-124.[45]

 – ن م، ص 124- 125.[46]

 – ن م، ص 125 – 126.[47]

 – ن م، ص 127.[48]

 – ن م، ص 127 – 129.[49]

 – ن م، ص 129.[50]

 – ن م، ص 129.[51]

 – ن م، ص 130[52]

 صدر الدين أبي الحسن علي بن ناصر بن علي الحسيني، أخبار الدولة السلجوقية، لاهور ، 1933، ص 19.[53]

 أبو الحسن المسعودي، التنبيه و الإشراف، بيروت 1981، ص 362.[54]

 ابن الأثير، الكامل في التاريخ، بيروت ، 1994، ج 6، ص 87 – 88.[55]

 البيروني الخوارزمي ( أبو الريحان محمد )، الآثار الباقية عن القرون الخالية، لآيبزيق، 1878، ص 132.[56]

 عماد الدين الأصفهاني، كتاب تاريخ دولة آل سلجوق، القاهرة ، 1900، ص 13.[57]

 ن م، ص 14.[58]

 ن م، ص 14.[59]

 أخبار الدولة السلجوقية، ص 18.[60]

تاريخ دولة آل سلجوق، ص 20.[61]

تاريخ دولة آل سلجوق، ص 52، 109، 115 ؛ أخبار الدولة السلجوقية، ص 64، 84، 96.[62]

تاريخ دولة آل سلجوق، ص 81، 158 ؛ أخبار الدولة السلجوقية، ص 79،106، 145، 171. [63]

تاريخ دولة آل سلجوق، ص 53 ؛ أخبار الدولة السلجوقية، ص 66.[64]

 الكامل في التاريخ، ج 6 ، ص 218.[65]

تاريخ دولة آل سلجوق، ص 49.[66]

أخبار الدولة السلجوقية، ص 25.[67]

أخبار الدولة السلجوقية، ص 68.[68]

تاريخ دولة آل سلجوق، ص 59-60.[69]

 ن م ، ص 55.[70]

 أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني، غياث الأمم و التياث الظُلم، ط 2 ، الدوحة، 1401 هـ[71]

 ن م ، ص 10-11.[72]

 ن م ، ص 13.[73]

 ن م ، ص 118.[74]

 ن م ، ص 334[75]

 ن م ، ص 338، 353، 373، [76]

 ن م ، ص 356.[77]

 ن م ، ص 361.[78]

 ن م ، ص 361.[79]

 ن م ، ص 373، 381.[80]

 ن م ، ص 374.[81]

 ن م ، ص 378.[82]

 ن م ، ص 408.[83]

 ن م ، ص 70.[84]

 ن م ، ص 314.[85]

 ن م ، ص 325.[86]

 ن م ، ص 320.[87]

 ن م ، ص 338.[88]

 نظام الملك حسن الطوسي، سياسة نامة، ترجمه عن الفارسية يوسف بكّار، عمّان، 2012.[89]

 سياسة نامة، ص 49-50.[90]

 ن م ، ص 126.[91]

 ن م ، ص 157.[92]

 ن م ، ص 210[93]

 ن م ، ص 198.[94]

 ن م ، ص 227. [95]

 أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي، التبر المسبوك في نصيحة الملوك،  ( عربه عن الفارسية أحد تلامذته)، بيروت 1988.[96]

 تاريخ دولة آل سلجوق، ص73.  [97]

التبر المسبوك، ص 6.[98]

 ن م ، ص 7.[99]

 ن م ، ص 14.[100]

 ن م ، ص 15.[101]

 ن م ، ن ص.[102]

 ن م ، ص 15 – 23، 44، 58-59.[103]

 ن م ، ص 18.[104]

 ن م ، ص 87.[105]

 ن م ، ص 83.[106]

 ن م ، ص 43.[107]

 ن م ، ص 87.[108]

 ن م ، ص 87.[109]

 سياسة نامة، ص  48.[110]

اترك تعليقاً