دولة الهواة في تونس وبؤس السّياسة …!!!

ــ  

بقلم د. إبراهيم جدلة

كلية الآداب والفنون والإنسانيات ، منوبة ــ تونس

     

     لا نضيف شيئا عندما نقول أن تونس تعيش أحلك فترات تاريخها جرّاء تأزّم الأوضاع الاقتصاديّة وتردّي الحالة الاجتماعيّة لمختلف شرائح المجتمع وخاصّة كل من بقي خارج دائرة الانتاج. هذا التراجع غير المسبوق للإنتاج ولمؤشرات التنمية والإنفلات الاجتماعي وللسقوط السياسي يعود إلى عدّة أسباب : منها  الأسباب  اقتصاديّة-تنمويّة، ومنها الكوفيد 19، وخاصّة  الأسباب السياسيّة. نعم في كل البلدان تنطلق الأزمات من الاقتصاد لتتحوّل إلى السّياسة، أما في  ” الاستثناء التونسي ” ، حيث نجد “أرقى دستور  في العالم”، فالأزمات تنطلق من السّياسي لتِؤثّر على  الاقتصادي.

      أعتقد جازما، أنّ كل مشاكل البلاد بمختلف مظاهرها ناتجة عن انحرافات السّياسة والسّياسيين، ولا يمكن التفكير في حلول اقتصاديّة أو ماليّة أو تنمويّة قبل إصلاح الواقع والممارسة السياسيتيْن.

      لقد انطلق بؤس السّياسة منذ 2011، فوضى القرارات، النهب المقنّن لمدّخرات البلاد، دولة القبيلة في أبهى مظاهرها، ونظام الغنيمة دون مساحيق. نعم لقد تعاقبت الحكومات التي طال أمدها أو قصر (  وهنا أستثني حكومة المشيشي التي هي في بدايتها ولا يمكن ان ندخلها في هذا التقييم العام )، والقاسم المشترك بينها أنّها تركت لديْنا شعور بأنّها لم تكن في خدمة الوطن أو الشعب كما تدّعي بل ظلت كلّها إمّا في خدمة فئة معيّنة، أوفي خدمة مصالح بعينها، أو لتطبيق أوامر محدّدة. كلّ ذلك في إطار جوّ عام ينبأ بفساد الدولة، إن لم نقل تغييبها، وما عدد الحقائب الوزارية وهو غير مبرّر سوى دليل على ذلك، فكيف نفسّر أنّ حقيبة  ” الاقتصاد” يتولاّها أكثر من ستة وزراء في ذات الوقت (  صناعات، مؤسسات كبرى، مؤسسات صغرى، دبلوماسيّة اقتصاديّة وغيرها من المناصب الصّوريّة التي تندرج في باب توزيع  “الكعكة ” )؟ وفي بعض الفترات، ورغم الأزمة الماليّة الخانقة وتتالي عمليّات الاقتراض، وصل عدد الحقائب الموزّعة بين القصبة وقرطاج حوالي مائة…

    هذه المجموعات ( حزبيّة أو غيرها ) التي تولّت تدبير السياسة في البلاد، والتي احتلّت هذه المواقع أحيانا بمحض الصدفة لا الكفاءة، فشلت فشلا ذريعا في تطوير مؤشّرات التنمية بمختلف مكوّناتها وعجزت تماما عن إخراج البلاد من الأزمة الخانقة التي أصبحت عليها، والسبب في ذلك أنّها تفتقر إلى التصوّرات الصحيحة وإلى البرامج الفعليّة، فهمّها الأساسي هو الصّراع العقيم حول الكراسي والمنافع. غياب الوطنيّة، وانعدام الكفاءة،  أدّيا طبعا إلى الفشل الذّريع، والتعاقب السريع للحكومات، وخروج كل الفاشلين والفاسدين من سدّة الحكم دون مراقبة أو محاسبة. والمحاسبة تكون قانونيّة، أو حزبيّة، أو انتخابيّة. كلّ ذلك لم يقع، والفاشل والفاسد يعاد انتخابهما. هكذا نمطنا ( منوال تنميتننا إن أردتم ) أصبح يرتكز على إعادة  إنتاج الفشل لا الثروة.

     أعتقد أنّ  الحلّ اليوم هو  سياسيّ بحت، قبل الاقتراض وإعادة الاقتراض، قبل الكامور وما بعد الكامور، قبل الكوفيد وما بعد الكوفيد. والحلّ الرّئيسي والأول ليس الرجوع إلى نظام رئاسي بل هو تنقيح القانون الانتخابي، لتنقية الطبقة السياسيّة والحياة السياسيّة. كيف نسمح لمن هم محكوم عليهم في قضايا حق عام وإجرام وتهرّب جبائي وديواني من الترشّح؟ أليس هذا تشجيع المجرمين والفاسدين على المسك بسلطة هي مترنحة أصلا؟ كيف نسمح غبيّ القرية ان يقدّم ترشّحه كمستقل؟ وما معنى مستقل؟ كيف سنحاسب هذا الغبيّ بعد فشله؟ أليس من الأجدر أن نشجّع  القائمات الحزبيّة على حساب قائمات المرضى النفسانيين؟ لأنّ القائمة الحزبيّة يمكن أن نحاسبها أمّا قائمة المغامرين فهي قائمة سمك في البحر.

    لن نخرج من الأزمة قبل انتخابات 2024، لذا أصبح من الملحّ العمل على إصلاح القانون الانتخابي بحصر المشهد السياسي في عدد صغير من الأحزاب الممثلة شعبيّا، ولا عزاء لمن ليست له قاعدة شعبيّة. لتنقية المشهد المثير للسخرية والاشمئزاز، يجب الرفع في سقف تزكيات الترشح بالنسبة للرئاسة: خمسون تزكية من المنتخبين او خمسون ألف إمضاء كحد أدنى، ويتعيّن وضع قاعدة التزكيات بالنسبة لنواب الجهات، بحدّ لا يقلّ عن عشرة آلاف إمضاء. لعلّ هذه الشروط تساهم في تقليص عدد المتقدّمين لهذه المناصب الحسّاسة، كما أنّ التنافس سينحصر حتما بين القائمات الحزبيّة المحدودة العدد. هذا الترشيد بخصوص حصر عدد المتنافسين من شأنه أن يوجّه الناخب إلى اختيار البرامج عوض الأشخاص والقبائل، أي يقع توجيه التنافس بين الأحزاب حول برامجها. مع العلم أنّ العدد الكبير من المترشّحين لا يخدم سوى مصلحة الأقلّية المنظمة والأكثر التزاما التي تتصدّر دائما المشهد السياسي.

    كذلك لا بد من مراجعة نواب تونس في الخارج، البعض منهم ينجح بثلاث مائة صوت لا أكثر. لا نعرف ما هو دورهم بالضبط سوى أنهم  ” يُسْمنون ” حزبا ما. والرأي الأصلح هو أن نعوّض وجودهم بمجلس أعلى للهجرة يتم ّانتخابه والتنافس على مقاعده مثلما يقع بالنسبة لمجلس النواب وبنفس الشروط.

   أخيرا لماذا لا يكون النجاح نصيب القائمة الأولى في كل دائرة، بكل أعضائها، على قاعدة واحد وخمسون بالمائة. وهذا شرط ضروري لاستقطاب سياسي يجعل التنافس في كل دائرة بين قائمتيْن لا أكثر. أعرف أنّ النهضة وجماعة صفر فاصل صفر لا يرغبون في هذا الاقتراح لأنّه سيزيحهم نهائيّا من المشهد، لكن للضرورة أحكام.

   كل هذه الشروط ستسمح حتما بإبراز حزب واحد ( المتحصّل على أكثر من خمسين بالمائة ) يقوم بتشكيل الحكومة لوحده، ويتحمّل مسؤوليتها لوحده،  من التأسيس إلى الأداء إلى النجاح أو الفشل…….التنافس النزيه والجدّي والخوف من فقدان الدور الريادي في المشهد السياسي، هو الوحيد القادر على تجاوز الرداءة والقضاء على الفسيفساء الحاكمة  دون قيود ودون ضوابط ودون ضمير.  هكذا يمكن أن نحلم بتجاوز دولة الهواة التي طال أمدها.

اترك تعليقاً