ثورة الفقراء …! أو ثورة الأمعاء…!

بقلم د .  فوزية سعيد

أستاذة الأدب العربي الحديث والنقد ، كلية العلوم االانسانية  و الاجتماعية  بتونس

 

لا يخلو مجتمع على البسيطة من آفة  الفقر ، وأسبابه متعدّدة متنوّعة ،  قد ينشأ الفقر بسبب الكثافة السكانية ، ونضوب الخيرات الطبيعية ، أو بسبب الحروب ، والآفات و الأوبئة   القاتلة ، استشرى الفقر في العالم  خلال السنة الجارية 2019 / 2020 نتيجة تفشّي  وباء كوفيد  التاسع عشر  القاتل ، لقي خلق كثير مصرعه ، فقد ت أقوام مصادر الرزق ، فكان الجوع ،  تعطّلت الحركة ، انهار الاقتصاد العالمي ، حذّرت الأمم المتحدة من تصاعد وتيرة الفقر ــ في العالم ــ  وهو يشمل   مائة وخمسة عشر مليونا من الأفراد بسبب جائحة  كرونا .

الاحتفال باليوم العالمى للقضاء على الفقر يوم 17 أ كتوبر من كل سنة ، ويعود الاحتفال به  الى تاريخ 17 أكتوبر من عام 1987 ، حينما اجتمع ما يزيد على مائة ألف شخص تكريما لضحايا الفقر المدقع ، والعنف والجوع ، وذلك في ساحة تروكاديرو  بباريس،  التي وقع فيها الإعلان العالمي لحقوق الانسان عام 1948، وقد اعلنوا أن الفقر ،يُعدّ انتهاكا لحقوق الانسان ، وأكدّوا الحاجة الى التّضافر بغية ضمان احترام تلك الحقوق .

وقد نُقشت تلك الآراء على النّصب التذكاري الذي رفع عنه الستار ذلك اليوم ومنذئذ يتجمّع كل عام في السابع عشر من أكتوبر أفراد من شتّى المشارب ،والمعتقدات والأصول الاجتماعية لتجديد التزامهم إزاء الفقراء،  والإعراب عن تضامنهم معهم  ، وأعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب القرار 196 / 47 الذي اعتمدته بتاريخ 22 جانفي 1992 /  17 أكتوبر يوما دوليا للقضاء على الفقر . حدث إنساني هام ّ ينبّه المستكرشين ، وأصحاب الجيوب المنتفخة ، إلى أنّه ــ هناك ، أخ  إنسان ما ، في مكان ما ــ قد عضّه الفقر ، ولذلك لا يأمن الإنسان على حياته من أخيه الانسان ، لأن  الفقر كافر لا يرحم ،  قد يدفع الفقر بالمحروم إلى الاجرام . الفقر يقاتل في أمعاء الانسان ومعدته ، حين  فراغ الجوف ، الفقر إنسان خفيّ  ، لكنّه محسوس ،وينسب إلى  الإمام علي كرّم الله وجهه قوله : «لو كان الفقر رجلا لقتلته » ، ويقول الشّاعر العراقي عبد الوهاب البياتي(1926 ــ 1999) في  قصيدته سفر الفقر والثورة وهي عنوان الديوان :                                                                                                                                         

لو أنّ الفقر إنسان

إذن لقتلته وشربت من دمه

لو أنّ الفقر إنسان

ويقول  الشّاعر العراقي معروف الرصافي (1875 ــ 1945) في قصيدته الأرملة المرضعة :

لقيتها ليتني ما كنت ألقاها

تمشي وقد أثقل الإملاق ممشاها

أثوابها رثّة والرّجل حافية

والدّمع تذرفه في الخدّ عيناها

بكت من الفقر فاحمرّت مدامعها

واصفر كالوَرْس من جوع محيّاها

ظاهرة الفقر ــ اليوم في العالم ــ لافتة للانتباه ، تتجلّى في ملامح البشر وفي هيئته وسلوكه ، وهي ظاهرة تنبئ بخراب العمران ، وببوادر استئساد الانسان على أخيه  الانسان ،  إذا لم يتضامن الخيّرون ، وينقذوا من  أنهكهم الفقر، مخالب الفقر لن ينجو منها المتخمون ، لأن الفقير إذا جاع يبلع  كلّ شيء ، لا تثنيه القوانين والعادات والتقاليد ، يتوقّف العقل و تثور الأمعاء ثورة عمياء ، ولا يوقف رغباتها فاصل ، هي ثائرة  من أجل غريزة البقاء طردا لشبح الفناء .

اترك تعليقاً