السّرقات الأدبيّة في تونس  بعد الاستقلال

 

جمع وتقديم  : أنس الشّابّي، خريف للنّشر ، ط1 ، تونس 2023

“نحو المركّبات” توارد خواطر أم سطو !!( نُشِر في الكتاب ص 100 ـــــــ 111)

بقلم : الهادي غابري

(1)

تونس ـــ مجلة الملاحظ  ، بتاريخ 4 جوان 2003.

عرفت مراحل التعليم بتونس كتبا نحوية مختلفة، وفي كل مرة يقع إلغاء كتب ليقع تعويضها بأخرى حسب مقتضيات المرحلة التعليمية، ولم تكن تلك الكتب خالية من إخلالات ونواقص علمية  ،فكانت محل نقد وتقييم في أحين كثيرة، وتعود تلك الإخلالات إلى تسرّع وسوء فهم بعض اللغويين في وضع بعض المصطلحات اللغوية وهي -عادة-  ما تكون مترجمة أو مستنسخة أو منقولة من مصادر أجنبية ، أو عربية دون شروح أو إحالات لتوضيح مواطن الغموض، وقد سادت هذه الظاهرة سنوات التسعينات فانبرى أحد اللغويين –يتشدّق- عن سوء فهم أيضا بظهور مدرسة نحوية تونسية دون تحديد ما أضافته تلك المدرسة المزعومة في مجال اللغة  ،ودون بيان مميزاتها وفضائلها في صقل وتهذيب لغة النشء الجديد  ،ليكون قادرا على التواصل بطلاقة والكتابة بلغة سليمة ، ومثل هذا الضرب من التسميات الذي لا يستند على منطق علمي نجده –مثلا- في كتاب “النصّ الفكاهي في درس النحو” لصاحبه محمد الصالح بن عمر وقد ذهب فيه صاحبه بالتبشير بظهور مدرسة نحوية تونسية على أرض الواقع ومن أعلامها الأساتذة  :عبد القادر المهيري ومحمد صلاح الدين الشريف ومحمد الشاوش ثم تبعهم بعض تلامذتهم كل من عبد الجبار بن غربية ورشيد الغزي ومنصف عاشور، وهذا الزعم لصاحب النص الفكاهي لا يستند إلى أي حجة أو دليل مقنعين بل جاءت هذه المعلومات في شكل رؤوس أقلام غير  مدعومة بأي مرجع لغوي، ويبدو أن صاحب النحو الفكاهي قد نقلها من مصادر شفوية لبعض أولائك الأشخاص دون تمحيص، من ذلك مثلا قوله في الصفحة الثامنة: “صلاح الدين الشريف ومحمد الشاوش يضبطان سنة 1977 أهم المفاهيم التي سيقوم عليها نحو المركبات” فهذه المعلومة المزعومة لم ترد في أثر منشور في ذلك التاريخ حتى نسلم بصحتها  ،وقد عمل البعض من اللغويين على نشر شائعات في الوسطين الجامعي والمدرسي محصّلها أن ثمة مدرسة تونسية جديدة في النحو ،ابتدعها أولائك الأشخاص  ،وقد أطلقوا عليها نحو المركبات.وقد تبين –أخيرا- أن هذا النحو مقتبس من عمل علمي قام به الدكتور المصري محمد إبراهيم عبادة أستاذ اللغة بكلية الآداب في جامعة بنها بمصر العربية، منذ بداية الثمانينات ثم جمع دروسه ونشرها سنة 1988 بعنوان “الجملة العربية، دراسة لغوية نحوية” صدر عن منشأة المعارف بالأسكندرية.

وبالتأمل في قائمة المركبات النحوية المستعملة في بعض الجامعات والكتب المدرسية ومقاربتها لما جاء في كتاب اللغوي المصري المذكور نلاحظ ما يلي:

– أولا: قائمة المركبات النحوية المستعملة في تونس:

المركب الإسنادي – المركب الإضافي – المركب النعتي – المركب البدلي – المركب التوكيدي – المركب البدلي – المركب التوكيدي – المركب شبه الإسنادي – المركب الموصولي الاسمي – المركب الموصولي الحرفي – المركب الجار والمجرور – المركب العطفي – المركب الاستثنائي – المركب الفعلي – المركب الاسمي – المركب التمييزي.

– ثانيا: قائمة المركبات النحوية في كتاب المصري محمد إبراهيم عبادة:

المركب الإسنادي – المركب الإضافي – المركب النعتي أو الوصفي – المركب المصدري – المركب الموصولي الإسمي – المركب الموصولي الحرفي – مركب الجار والمجرور – المركب الفعلي – المركب الاسمي – المركب الظرفي – مركب الخالفة – المركب التمييزي.

ونستنتج مما سبق أن المطابقة بين القائمتين تكاد تكون تامة ولا يمكن الاختلاف إلا في بعض الجزئيات من ذلك أن المركب شبه الإسنادي لدى التونسيين أطلق عليه عبارة تسمية المركب المصدري.

كما أن النحوي المصري لم يغفل عن المركب التوكيدي ولا المركب البدلي ولا المركب الاستثنائي  ،بل جمع الأول والثاني ضمن المركب الاسمي (مثلما هو يجري به العمل لدى اللغويين في تونس) كما استعمل الثالث ضمن المركب الحرفي وهذا مطابق أيضا لما جاء في نحو المركبات عند نفس اللغويين.

هذه المطابقة تبعث على الحيرة والتساؤل فهل يتعلق الأمر بوقوع الحافر على الحافر أم أ، طرفا نقل عن الآخر دون ذكر المصدر؟ مع الملاحظ أن كتاب النحوي المصري سابق في إصداره لكتاب النص الفكاهي المنشور سنة 1995 بتونس، كما أنه ثبت لدينا أن الدكتور محمد إبراهيم عبادة لم يشارك في أي ندوة علمية لغوية بتونس قبل صدور كتابه إلى جانب أنه لم يظهر حتى سنة 1988 تاريخ صدور كتابه أي مرجع تونسي يتضمن تفصيلا لتلك المركبات.

وتجدر الإشارة إلى أن نحو المركبات في تونس يدرس باستعمال الصناديق، وهذه الطريقة نفسها اعتمدها الدكتور إبراهيم عبادة في كتابه المذكور، لكن الفارق الوحيد عند هذا والصندوق عند أولائك هو أنه عند الأول مقلوب في حين أنه لدى بعض اللغويين التونسيين قائم على قاعدته، وهذا يدل على أن الذي نقل اكتفى بتغيير وضع الصندوق لا غير.

وإزاء اكتشاف هذه الحقيقة التي ظلت مخفية طيلة 15 سنة حدثت بلبلة في أذهان مدرسي اللغة في مختلف مراحل التعليم التونسي وكلك الطلبة والتلاميذ، وفي هذا السياق يستعد الأستاذ الدكتور عبد الرزاق بنور اللساني القدير لإصدار سلسلة من المقالات على غرار مقالاته عن الحجاج تكشف هذه المرة عن حقيقة نحو المركبات في تونس قصد تنوير وزارتي الإشراف في التربية والتعليم للتحري في المؤلفات النحوية المدرسية والمقررات الجامعية بما يعود بالفائدة على المركز البيداغوجي وأقسام اللغات في الجامعات التونسية وللحديث صلة… بل صلات…

عبد القادر المهيري
عبد القادر المهيري
منصف عاشور
منصف عاشور
الهادي الجطلاوي
الهادي الجطلاوي
محمد إبراهيم عبادة
محمد إبراهيم عبادة
مازن الوعر
مازن الوعر
كمال عمران
كمال عمران
محمد صلاح الدين الشريف
محمد صلاح الدين الشريف
محمد الشاوش
محمد الشاوش

 

(2)

تونس ـــ مجلة الملاحظ ، بتاريخ 11 جوان 2003

في مقالنا السابق عن التشابه الغريب بين نحو المركبات الذي وضعه اللغوي المصري محمد إبراهيم عبادة المدرس بكلية الآداب بجامعة بنها والنحو الحامل للتسمية نفسها الذي ينسب إلى أستاذ وزملائه بكلية الآداب بمنوبة، وضعنا هذه القضية في إطارها العام فأوضحنا أن النحوي المصري له كتاب في الموضوع عنوانه “الجملة العربية، دراسة لغوية نحوية صدر عن منشأة المعارف بالأسكندرية سنة 1988، في حين أن الأستاذ المذكور وجماعته ليس لديهم وثيقة منشورة قبل ذلك التاريخ تتضمن تفصيلا للنحو الذي زعموا ولا يزالون أنهم وضعوه.

وبطبيعة الحال فلا وزن في البحث العلمي إلا للوثائق المنشورة، أما الشهادات الشفوية الصادرة عن الزملاء والأصدقاء والأتباع فلا تؤخذ بعين الاعتبار بتاتا، ومع كل هذا فإننا لا نتسرع في إصدار حكم بأن هذا الطرف أو ذاك نقل عن الآخرين بل نواصل الكشف عن مظاهر التشابه الغريب بين النحويين وإن كان لا يعقل أن تصل الصدفة إلى درجة إطلاق نفس التسمية وهي “نحو المركبات” على كل منهما مع اشتراكهما في 90% من المفاهيم والمصطلحات، قابلنا في مقالنا السابق بين قائمتي المركبات لدى عبادة والأستاذ وفي هذا المقال الثاني نقرب الصورة أكثر من القارئ الكريم وذلك بإيراد تعاريف المركبات المشتركة لديهما.

تعاريف المركبات المشتركة من خلال كتاب عبادة

1) المركب الاسمي الإضافي هو ما كان مركبا من اسمين أولهما نكرة وثانيهما معرفة أو نكرة ويعد قيدا للاسم الأول (الجملة العربية ص79).

2) المركب الاسمي التمييزي هو المركب المبدوء باسم مجمل يميزه ويفسره ويبينه اسم بعده وهذا الاسم المجمل يكون من المقادير أو الأعداد (ص80).

3) المركب الاسمي النعتي هو المكون من اسم ووصف أو ما في معناه بحيث يوضع الوصف أو ما في معناه الاسم السابق عليه أو يخصصه ببيان صفة من صفاته أو من صفات ما كان منه بسبب (ص86).

4) مركب الموصول الاسمي هو المركب المبدوء باسم موصول والاسم الموصول هو ما لا يصير جزءا من جملة إلا بصلة وعائد (114).

5) مركب الموصول الحرفي هو المركب المبدوء بحرف مصدري متلو بمركب فعلي (يقصد به المركب الإسنادي الفعلي حسب تسمية الشريف وجماعته) أو اسمي إسنادي وفقا لما يقتضيه الحرف، والحروف المصدرية هي أن، ما، كي، لو، أنّ (ص118).

6) مركب الجار والمجرور  هو المبدوء بحرف مما يعرف بحروف الجر (ص140).

7) المركب الاسمي الإسنادي (عند الشريف وزملائه المركب الاسنادي الاسمي) هو المكون من مبتدأ وخبر (ص65).

هذه المركبات السبعة هي نفسها بأسمائها وتعاريفها عند الأستاذ وزملائه وهي تدرس في أقسام العربية بالجامعات التونسية وهي سنوات التعليم الاعدادي وبعضها في الابتدائي لذلك يعرفها جيدا أساتذة اللغة العربية في الجامعة والإعدادي ومعلمو العربية عندنا.

المركبات التي اختلفت تسميتها

هنالك مركبات أخرى مشتركة بين محمد إبراهيم عبادة وأساتذة اللغة بمنوبة لكن اختلفت تسمياتها إن قليلا أو كثيرا وهي:

1) المركب شبه الاسنادي هذا المركب عند الشريف وجماعته يتألف من اسم مشتق يقتضي فاعلا أو فاعلا ومفعولا أو تمييزا أو ما إلى ذلك.

أما النحوي المصري فقد قسمه إلى قسمين:

أ- المركب المصدري هو مركب يتكون من مصدر ومعموله (ص107).

ب – المركب الوصفي هو مركب مبدوء بمشتق محض وهو اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة واسم التفضيل (ص92).

ومثلما نرى فإن المركب الاسنادي عند الأستاذ يشمل المركب المصدري والمركب الوصفي عند عبادة، فالفرق الوحيد يكمن في التفريع ولا خلاف في المحتوى ولم يذكر عبادة صيغة المبالغة بينما هي مذكورة عند الشريف.

2) المركب الظرفي هذا المركب عند عبادة هو المبدوء بما يدل على زمان أو مكان وهو مركب إضافي (ص132).

هذا المركب لم يخصه الأستاذ وجمعته بتسمية بل اعتبروه مركبا إضافيا وهو ما لم يختلف فيه عبادة معهم إلا أنه عده نوعا مخصوصا بل اعتبروه مركبا إضافيا وهو ما لم يختلف فيه عبادة معهم إلا أنه عده نوعا مخصوصا من المركب الإضافي فلا خلاف جوهري إن.

المركبات التي اتفقت أسماؤها واختلفت معانيها

المركب الفعلي: ها المركب عند الأستاذ وزملائه يتكون من فعل مسبوق بحرف يغير معناه مثل قد، لن، بم، لا، س، سوف، أما عند عبادة فهو المركب الذي يتكون من فعل وفاعل أو من فعل وفاعل ومتمم أو أكثر وقد لاحظ لنا الأستاذ الدكتور عبد الرزاق بنور في هذا الصدد أن تسمية “المركب الفعلي” تطابق المفهوم الذي حدده عبادة لكنها لا تطابق المركب الذي أطلقها عليه الأستاذ وزملاؤه لأن المركب مسبوق بحرف حري بأن يسمى مركبا حرفيا.

أما ما سماه عبادة مركبا فعليا فهو عند أساتذة كلية الآداب بمنوبة المركب الاسنادي الفعلي والاختلاف كما نرى طفيف لا يتعدى كلمة “إسنادي”.

المركبات التي أضافها الأستاذ وزملاؤه

أضاف الأستاذ وزملاؤه مركبات ثانوية لم ترد عند عبادة هي:

1) المركب التوكيدي وهو يتكون من مؤكد وتوكيد ولئن لم سيسمه عبادة فقد أشار إليه بقوله: “علاقة التوكيد والتقوية تكون بين اسمين ثانيهما هو نفس الأول في اللفظ والمعنى أو بين اسمين أريد بثانيهما دفع توهم عدم إرادة الشمول أو دفع توهم إرادة المجاز في الكلمة الأولى”(19).

2) المركب البدلي وهو يتكون من مبدل منه وبدل وقد أشار إليه عبادة بقوله: “علاقة الابدال تكون بين اسمين أو بين فعلين ثانيهما يحل محل الأول”(ص18).

3) المركب بواو الحال هو عند الشريف ورفاقه مركب جزئي يبدأ بواو الحال، وقد أشار إليه عبادة بقوله: “إذا كان فعل المركب الفعلي الواقع حالا (يقصد الاسنادي الفعلي حسب مصطلح الشريف) مبدوءا بقد وجب الربط بواو الحال(ص55).

كما نجد إشارات في كتاب عبادة إلى المركبين بفاء السببية (ص18) وبواو المعية (ص120).

وسكت عن مركب الشرط ومركب الاستثناء.

نخلص في نهاية هذا المقال الثاني إلى أن المطابقة بين نحو المركبات عند عبادة ونحو المركبات (التسمية نفسها) عند الأستاذ وزملائه هي في حدود أكثر من 90% لأن الاتفاق حصل في المركبات الأساسية ولم نلمس الاختلاف إلا في مركبات جزئية جدا.

هل حصل كل هذا بمحض الصدفة؟ هذا الاحتمال يصعب تصديقه فمحمد عبادة لم يزر تونس ولم يطلع حين ألف كتابه على مرجع تونسي في الموضوع ففي مقدمة كتابه يقول: “أود أن يكون البحث بصورته تلك قد وصل بين التراث الذي لا نتخلى عنه والدرس الحديث الذي نحن في حاجة إليه دون إفراط أو تفريط فإن كان الأمر كذلك فقد رضيت عن نفسي وإلا فحسبي أني اجتهدت” (ص7).

فأي طرف أخذ عن الآخر يا ترى؟ إن للحديث صلة… بل صلات.

(3)

تونس ـــ مجلة الملاحظ ، بتاريخ 18 جوان 2003.

لقد غزا “نحو المركبات” الجامعات التونسية منذ نهاية الثمانينات ثم منها التعليم الثانوي بفضل العلاقة الوطيدة التي تربط بين المنسوب إليه إبداع نحو المركبات بكلية آداب منوبة وأحد متفقدي التعليم الثانوي في ذلك الوقت (حيث أن الثاني كان يعد أطروحة بإشراف الأول) ثم من الثانوي غزا هذا النحو التعليم الابتدائي بما أن الابتدائي والثانوي تشر عليهما وزارة واحدة هي وزارة التربية.

وبدخول نحو المركبات الكتب المدرسية التي تسحب منها عشرات آلاف النسخ أصبح لمؤلفيها عائدات هامة, ولا نزال نذكر موقف الرفض الحاسم الذي وقفه أساتذة الثانوي من ذلك النحو في أوائل التسعينات لكن “سيف التفقد” كان مسلطا عليهم خاصة وأن بين أيدي الجماعة متفقدا، فانتهى بهم الأمر إلى الإذعان لا سيما أن المتخرجين من كلية منوبة بدأوا يحتلون مواقعهم في المعاهد الثانوية رافعين لواء نحو المركبات.

ونظرا إلى دقة الموقف وخطر هذا النحو الداهم الذي حول حصة اللغة إلى حصة عبث إذ صار تحليل الجملة بمثابة لعبة “الخربڨة”وأصبح اهتمام التلميذ مركزا على الصندقة أكثر من فهم التركيب، وقف بعض الأساتذة الجامعيين موقفا مشرفا يحسب لهم رغم اختلافنا معهم، من هؤلاء الأستاذ الهادي الجطلاوي الذي منع تدريس نحو المركبات بكلية آداب سوسة حين تولى رئاسة قسم العربية بها وذلك لما لاحظه من تأثيره السلبي في مستوى التلاميذ اللغوي ومن أن المساعدين الجدد كانوا يتلقون دروسا منسوخة جاهزة في المركبات من بعض مدرسي اللغة بمنوبة ويملونها على طلبتهم بـ”حشيشها بريشها” أي بقواعدها وأمثلتها دون بذل أي جهد وصار هذا النوع من المدرسين الأعوان يوجدون في كل مؤسسة جامعية يدينون بالولاء للزعيم المؤسس ورغم أن زميلا له كان معه في البداية فقد عمل على إبعاده عن الأضواء حتى يستأثر لنفسه بالريادة.

وقد تمركز في كل مؤسسة جامعية نصراء ودعاة يأتمرون بأوامره وينسقون معه العمل، في حين بقيت كلية صفاقس رافضة للانضواء والاحتواء، وما كنا لنثير مسلة نحو المركبات – لبعده عن اختصاصنا- لولا تأسس زعامة أصحابه على الوهم والزعم، وقد انطلق شكنا في هذه الزعامة منذ ثلاث سنوات إثر تصريح للسيد خالد ميلاد في حوار أجراه معه الصديق علي الشبعان بجريدة “الصحافة” زعم فيه بالحرف الواحد أن هذا النحو يشكل مدرسة تونسية !!، عند ذلك هاتفنا أستاذنا مازن الوعر اللغوي القدير بالجامعة السورية فاستغرب وجود هذه المدرسة مؤكدا أن فكرة نحو المركبات موجودة في كتابات المشارقة منذ السبعينات، فرددنا على خالد ميلاد آنذاك في الإبان على صفحات “الملاحظ” ثم تناهى إلينا توعده ووعيده.

وفي الفترة نفسها نقل أحد صحافيي الملاحظ عن السيد عبد العظيم أستاذ النحو بكلية 9 أفريل تصريحا له خلال إحدى الجلسات بمقهى فاخر من مقاهي العاصمة مفاده أن هذا النحو ليس تونسيا، لكن عبد العظيم سارع إلى نفي الخبر عند صدوره قد يكون بسبب ردة فعل الجماعة.

وقد ظل الشك يساورنا في حقيقة هذا النحو إلى أن التقينا خلال زيارتنا للقطر السوري الشقيق خلال الصائفة الماضية أستاذا جامعيا يدرس بكلية آداب دمشق، وما أن تطرقنا إلى الموضوع حتى ذكر لنا كتاب الدكتور المصري محمد إبراهيم عبادة “الجملة العربية، دراسة لغوية نحوية” الصادر عن منشأة المعارف بالإسكندرية سنة 1988 ثم مدنا في فرصة لاحقة بنسخة منه وهي التي اعتمدناها في هذا المقال المتسلسل وسنضعها عند الفراغ من كل حلقاته في مكتب الملاحظ ليتفحصه من يشاء، وقد ذهلنا للتشابه الشديد بل الغريب بين محتوى هذا الكتاب وما يسمى نحو المركبات الذي يقول بعض أساتذة اللغة بكلية منوبة أنهم وضعوه أو على الأصح وضعه أحدهم ثم شارك آخرون في تدقيقه.

مرة أخرى نؤكد أننا لا نتهم أي طرف بالأخذ لكن يهمنا كأولياء أن نعرف مصدره الحقيقي بما أنه يدرس في التعليمين الابتدائي والإعدادي وفي الجامعة، وما على لغويي منوبة الذين صار وضعهم حرجا الآن أمام زملائهم وأمام الرأي العام إلا أن يدافعوا عن أنفسهم لأن الصمت أو التجاهل لن يخدم مصلحتهم.

(4)

تونس ـــ مجلة الملاحظ ، بتاريخ 2 جويلية 2003

نواصل في هذه الحلقة الرابعة من جولتنا عبر أروقة الكتاب الحجة أو الكتاب الشاهد “الجملة النحوية، دراسة لغوية نحوية” للدكتور المصري محمد إبراهيم عبادة وقد صدر سنة 1988 عن منشأة المعارف بالإسكندرية فكلما أمعنا النظر في محتواه ازدادت حيرتنا أمام التشابه الشديد الغريب بين ما جاء فيه عن نحو المركبات وما يسميه أيضا أساتذة النحو بمنوبة “نحو المركبات” ينسبونه إلى واحد منهم أقدم في الخطة.

ولاشك أن أي علم من العلوم يرتكز على جملة من المفاهيم التأسيسية ونحو المركبات كما يعلم أساتذة العربية في العالي والإعدادي ومعلموها ينطلق من مبدأ أساسي وهو أن الوظيفة النحوية تحملها المفردة أو الجملة (أي المركب الإسنادي الفرعي عند الشريف وجماعته والمركب الفعلي أو الاسمي الفرعي عند عبادة) أو المركب الجزئي (الإضافي النعتي، إلخ…).

ولئن تفطن القدامى إلى وظيفة كل من المفردة والجملة فقد غابت عنهم وظيفة المركب ما عدا ما سموه “شبه جملة” أي الجار والمجرور أو الظرف وما يضاف إليه في حالات معينة محدودة (إعراب الجملة الإسمية) فمثل ذلك نقصا لديهم وهو ما اقتضى ضبط أنواع المركبات في الجملة العربية والوقوف على وظائفها.

هذه الفكرة التأسيسية التي يقوم عليها نحو المركبات (التونسي؟) قد خصص لها الدكتور محمد إبراهيم عبادة الباب الرابع من كتابه وعنوانه الإعراب أو تحليل الجملة (من ص164 إلى ص208)، وفي هذا الباب عوض مصطلح شبه الجملة بمصطلح المركب (مركب الجار والمجرور ومركب الظرفي وهذا الثاني عنده نوع خاص من المركبات الإضافية).

وانطلاقا من هذه الفكرة التأسيسية حدد المركبات في العربية على النحو التالي:

يقول عبادة ص6: “يتناول الباب الثاني مكونات الجملة وعرضت فيه لهيئات تركيبية فوق الكلمة وتحت الجملة (يعني المركبات) وبينت تقسيم القدماء للمركبات فمنها الإسنادي ومنها التقييدي ومنها غير الاسنادي وغير التقييدي ثم طرحت تصورا لتلك المركبات وهي المركب الفعلي والمركب الاسمي الإسنادي والاسمي الإضافي والاسمي التمييزي والاسمي النعتي والمركب الوصفي الاسنادي والوصفي الإضافي والمركب المصدري والثلاثة الأخيرة يسميها الشريف شبه إسنادية ومركب الخالفة ومركب الموصول الاسمي والموصول الحرفي والمركب الظرفي ومركب الجار والمجرور، وعرضت كل مركب على حدة مع بيان سماته العامة من حيث تركيبه الداخلي كما بينت المواقع التي يشغلها في الجملة وتمثل وظائفه النحوية.

هذا هو لب نحو المركبات (والتسمية نفسها) عند أساتذة النحو بمنوبة الذين ينسبونه إلى أستاذ منهم فهل نستنتج أن محمد إبراهيم عبادة نقل عنه؟ لكن كيف نقل والأستاذ المشار إليه لم ينشر كتابا ولا حتى مقالا قبل سنة 1988 تاريخى صدور كتاب عبادة يفصل فيه الحديث عن نحو المركبات؟.

إننا لا نتهم الأستاذ المذكور بأنه نقل كما أننا لا نتهم الأستاذ عبادة بأنه نقل لكن نريد جوابا شافيا مقنعا خاصة أن نحو المركبات أصبح منذ بداية التسعينات “نحو وطني” يدرسه الطلبة في الجامعات والتلاميذ في المدارس الإبتدائية والإعدادية.

نريد جوابا شافيا مقنعا لأننا نعيش في بلد ديمقراطي ونرفض من باب الوطنية أن تبقى مثل هذه المسائل غامضة إذ يتعلق الأمر بمصداقية مؤسسات وطنية (وزارة التعليم العالي، وزارة التربية، الجامعات، المعاهد الثانوية، المدارس الابتدائية، التفقديات….)

من وضع نحو المركبات؟هل وضعه الأستاذ المشار إليه من كلية آداب تونس؟ إذا صح ذلك فإنه مما سيبعث في نفوسنا الفخر والاعتزاز بأن مبدعه تونسي ابن وطننا، لكن عليه أن يثبت سبقه هذا بالحجة المقنعة والدليل القاطع خاصة بعد ظهور كتاب محمد إبراهيم عبادة الذي ظل في الخفاء 15 سنة !.

هل وضعه الدكتور المصري محمد إبراهيم عبادة؟ عندئذ ينبغي أن يأخذ كل ذي حق حقه فتكون لجماعة النحو في منوبة الشجاعة للإعتراف بهذه الحقيقة وتجاوز عقدة التفوق على المشارقة وهل أنسى شخصيا أن الأستاذ المشار إليه أثناء مناقشته لملفي بالمعهد العالي للغات منذ بضع سنوات صمن لجنة انتداب المساعدين قد سخر علانية من التكوين العلمي لطلبة الجامعات الشرقية حين رأى أني خريج جامعة دمشق وكانت المناقشة علانية وسمعه عدة شهود عيان يمكنني أن أذكر أسماءهم فردا فردا وهم مستعدون للإدلاء بشهاداتهم.

إن لمحمد إبراهيم عبادة حجة دامغة وهي كتاب منشور ومع هذا فلا نتسرع فنتهم الأستاذ من كلية منوبة بأنه نقل عنه وللحديث صلة… بل صلات.

إضافة

في عدد يوم 16 جويلية 2003 من مجلة الملاحظ وفي الصفحة 29 نقرأ بقلم رئيس التحرير أبوبكر الصغير مايلي:

بين الدكتور كمال عمران ونحو المركبات… و”الملاحظ”

الدكتور كمال عمران صديق عزيز نحبه ونحترمه معروف خاصة بدماثة أخلاقه وطيبته فاجأنا مؤخرا بالاحتجاج على شرنا لمقالات الدكتور الهادي غابري المتسلسلة عن نحو المركبات التونسي ومثيله المصري عند الدكتور محمد إبراهيم عبادة، معتبرا أن في توجيه تهمة إلى أستاذ تونسي بأنه نقل عن أستاذ مصري “موقفا لا وطنيا !!!!”.

هذا الموقف مفاجئ لعدة أسباب:

– أولا: لأن الدكتور عمران رجل أكاديمي وطبقا للأعراف الجاري بها العمل في جميع أنحاء العالم لا يمكن إخفاء الحقيقة مهما كانت الأسباب والحيثيات.

– ثانيا: إذا ثبت أن صاحب نحو المركبات الأصلي هو الدكتور محمد إبراهيم عبادة فأي ضرر في ذلك ما دام عربيا وما دام النحو نحوا عربيا وفي هذه الحالة لا يلام الأستاذ التونسي إذا ثبت أنه نقل عنه إلا على إخفائه لمصدره وهو أمر مرفوض في البحث العلمي.

-ثالثا: إن الأستاذ  الهادي غابري  لم ينفك يلح في مقاله على أنه لا يتهم أي طرف بأنه أخذ عن الآخر، وعلى أن هدفه الوحيد هو الكشف عن الحقيقة.

– رابعا: إن موقف الدكتور عمران هنا يدخل في باب “انصر أخاك ظالما أو مظلوما” لأن فيه دفاعا عن زملاء له يدرسون معه بنفس الكلية، ولو كانوا ينتمون إلى كلية أخرى هل سيقف نفس الموقف؟ والدليل على ذلك أنه وحسبما بلغني ساهم ولا يزال في اعتراض سبيل أستاذ مساعد يحمل دكتوراه الدولة اتهم باطلا بأنه نقل مقالا عن كاتب مغربي فمنعه مع بقية أعضاء لجنة الانتداب من الارتقاء إلى رتبة أستاذ محاضر ! لا لشيء إلا لأنه ينتمي إلى مؤسسة أخرى غير كلية آداب منوبة، وفي هذا تطبيق لسياسة الكيالين وعمل بالمقولة “هذا فرض وهذا سنة”.

وختاما نؤكد للدكتور والأخ والصديق العزيز كمال عمران أن مجلتنا منذ أن بعثت إلى اليوم كانت ولا تزال مجندة في خدمة الحقيقة وإنارة الرأي العام أي خدمة الوطن، ومقال  الهادي غابري لم ننشره إلا بعد أن أطلعنا عليه مختصين في اللسانيات مشهود لهم بالكفاءة وثبت لديهم أن التطابق شبه تام بين ما جاء في كتاب عبادة ونحو المركبات المدرّس بكلية آداب منوبة.

وأما ما ذكره الدكتور كمال عمران من أنه درس نحو المركبات منذ السبعينات فقد أظهرت التحريات التي قمنا بها أن النحو العربي في التعليم الثانوي-ومخاطبنا كان إذ ذاك أستاذا بالثانوي- بقي يدرس بالطريقة التقليدية إلى أواخر الثمانينات أي إلى ما بعد صدور كتاب محمد إبراهيم عبادة.

وعلى كل فإذا كان لأساتذة النحو بمنوبة ما يثبت أنهم سبقوا الدكتور عبادة في وضع نحو المركبات والحجة يجب أن تكون نصا منشورا لا شهادات شفوية لأصدقاء وأتباع وحتى زملاء مثل الدكتور عمران نفسه فإننا سنكون –ومعنا  الهادي غابري- أول من ينوه بأسبقيتهم في هذا المجال بل يفخر بها ويعتز بها لأنها تنهض دليلا عندئذ على إبداع الانسان التونسي في علم النحو إلى جانب إبداعه في مجالات أخرى عديدة.أبو بكر الصغير ،اعتراضهم على حديث معي.